فهذه الآية الكريمة، والآية السابقة تشيران إلى أنّ الرجل بيده زمام المسئوليّة، وعلى عاتقه يقع عبء المبادرة، للتوجيه والتربية والبناء، والمبادرة إلى معالجة المشكلات، وما لم يفعل ذلك يختلّ النظام، وتضطرب الموازين، وتفسد العلاقات ..
ويقول الله تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) } العَصر. إنّ الزوجين أولى الناس أن يعملوا بهذه السورة الكريمة، لما في استقَامة العلاقة بينهما من أثر كبير في سلامة بناء الأسرة، وحفظها من التصدّع والانْهيار، وحسن نشأة الأولاد، وتماسك المجتمع، وترابط أبنائه.
وعِندما يقيم الزوجان العلاقة بينهما على هدي هذه السورة الكريمة، ويتحقّقان بها، فلن يكونا أبدًا بحاجة إلى تدخّل أحَدٍ مِن الأطراف في شأنهما، ولنْ تخرجَ الخلافات الصغيرَة، التي تحدث بينهما بين الحين والآخرِ عن نِطاق الأسرَة، لتكدّر أسرَة الطرفين، وتكون محَلّ القيل وَالقَال، ولغْو المَجَالس، ومتعة الحسّاد، وشماتة الأعْداء ..
إنّ الأسرةَ الصالحة بحقّ، هي التي تنحصر مشكلاتها في أضْيق نطاق فلا تتعدّاه، وتكون أشبهَ بالأسرار التي لا تُفْشى، وينتَشِرُ خير أخبارها إلى القريب والبعيد، لتكون للمتّقين إمامًا، ومشجّعةً لكلّ عَزَب أنْ يسعى ويجتهد لبناء الحياة الزوجيّة على هدي الإسلام وآدابه، لينال سعادة الدنيا، ويفوز برضوان الله في الآخرة ..
ومن النصوص التي تؤكّد مسئوليّة الرجل أكثر عن قيادة الأسرة إلى برّ الأمان ما جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَإِذَا شَهِدَ أَمْرًا فَلْيَتَكَلَّمْ بِخَيْرٍ أَوْ لِيَسْكُتْ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاهُ إِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا) [1] .
وقوله - صلى الله عليه وسلم: (فاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا .. ) كلمة فذّة جامعة، تعدّ من جوامع كَلِمِه - صلى الله عليه وسلم -، يتوجّه فيها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالخطاب إلى الأزواج، ممّا يدلّ على أنّ مسئوليّتهم في رعاية العلاقات الزوجيّة أكبر، وهم بها أجدر.! فما أحرى المؤمن الحقّ أن يجعل هذه الكلمة ميزانًا لعلاقاته الزوجيّة، وشعارًا له في تعامله .. وإنّ قاعدة المسئوليّة الشرعيّة تقوم على أنّ
(1) رواه مسلم في كتاب الرضاع برقم /2671/، والبخاريّ والترمذيّ في كتاب النكاح.