فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 125

ـ والركن الرابع: العمل معَ المؤمنين لتحقيق أمن الأفراد والأمّة، بنصرَة الحقّ وإقامته، ودفع الباطل وَكسر شَوكته، والصبْر على الأذى في ذلكَ، فلا تغني الأركان السابقة عن هذا الركن، إذ إنّ أهل الباطل لا يريدون الخير والأمن لأهلِ الحقّ، ولا يَكُفّون عن أهله الأذى، ولو سَالَمَهم أهل الحقّ وهادنوهم، فلا يكفي لينعم الإنسان بنعمة الأمن أن يكون مؤمنًا بالله تعالى، متّبعًا لشرع الله وهديه، كَافًّا أذَاه عن الناس .. بل لابدّ أنْ يكونَ متعاونًا مع المؤمنين لنصرة الحقّ، وقمع الباطل، ويُشيرُ إلى هذا الركن قَولُ اللهِ تعَالَى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) } العصر، وقوله سبحانه: { .. وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ .. (2) } ... المائدة.

وهُنا تتّصل حلقة الأمن النَّفسيّ بالأمن الأسريّ والأمن الاجتماعيّ، وتتكامل المسئوليّات وتلتقي، والحقّ أنّ التداخل بين الفرد والأسرة والمجتمع أشبه بالاتّصال العضويّ بين أجزاء الجسد الواحد، ولست في هذا القول بمُغرِب أو مُدّعٍ، ونحن نعلم تشبيهَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - للمؤمنين بالجَسَدِ الوَاحدِ، وذلكَ في قوله - صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى) [1] .

ومن أهمّ ثمرات تحقيق هذه الأركان: أن يأمن الفرد على هوّيّته وخصوصيّته: وهو ممّا يدخل في نعمة الأمن النفسيّ، إذ إنّ لكلّ فرد هوّيّة خاصّة، يتضايق من تجاهلها، ويأبى العدوان عليها، حتّى من قبل أقرب الناس إليه: من والديه وأسرته، مع أنّه يشعر بالانتماء إلى أسرته، ويعتزّ بهذا الانتماء، فكيف إذا كان الاعتداء على هوّيّته الخاصّة من طرف خارجيّ، يشعر أنّه يكيد له، ويحرص على إيذائه، وإيقاع كلّ ضرر به.؟! [2] .

وعندما نعلم أنّ الإسلام جاء بحفظ الضرورات الخمس، وهي حفظ الدين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال، فإنّ حفظ هذه الضرورات، وما يتّصل بها يعني أن

(1) ـ رواه مسلم في كتاب البرّ والصلة والآداب برقم /4685/ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - رضي الله عنه -.

(2) ـ أقصد بالهوّيّة هنا: الصبغة الربّانيّة التي يصطبغ بها المسلم، فتحدّد نظرته للحياة، ووجهته فيها، وقد يعبّر عنها بالعبوديّة لله تعالى، وما يترتّب عليها من خصوصيّة وحقائق تميّزه عمّن سواه، وتشمل الكرامة الإنسانيّة التي حباه الله بها، فهي أعمّ من أن تحصر بحقوق الإنسان، وقد عرّفها الشيخ الدكتور محمد بن إسماعيل بقوله: الهويّة: (هي حقيقة الشيء، أو الشخص، التي تميزه عن غيره، فهي ماهيته، وما يوصف ويعرف به، من صفات عقلية، وجسمية، وخلقية، ونفسية) من ندوة في مجلّة البيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت