الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (54) سورة النساء.
قال القرطبي: قوله تعالى: أم يحسدون يعني: اليهود، وقوله تعالى: الناس يعني النبي صلى الله عليه وسلم خاصة. قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: حسدوه على النبوة، وأصحابه على الإيمان به. [تفسير القرطبي جـ 5 ص 252] .
وللحسد المذموم مراتب منها:
المرتبة الأولى: أن يحب الإنسان زوال النعمة عن الغير، وأن تنتقل إليه، ولذا يسعى بكافة السُّبُل المحرَّمة إلى الإساءة إليه ليحصل على مقصوده، كأن يحصل على داره، أو يجعله يطلِّق امرأته ليتزوجها، أو يكون صاحب منصب، فيحب أن يحصل عليه بدلًا من ذلك الغير. وهذه المرتبة هي الغالبة بين الحُساد.
المرتبة الثانية: أن يحب الإنسان زوال النِعْمة عن الغير، وإن كانت هذه النعمة لا تنتقل إليه، وهذه المرتبة في غاية الخُبْث ولكنها دون المرتبة الأولى.
المرتبة الثالثة: أن لا يحب الإنسان نفس هذه النعمة لنفسه، ولكنه يشتهي أن يكون لديه مثلها، فإن عجز عن الحصول على مثلها، أحب زوال هذه النعمة عن الغير كي لا يظهر التفاوت بينهما. [الإحياء للغزالي جـ 3 ص 298] .
يروى عن ابن عمرـ رضي الله عنهما ـ: إن إبليس قال لنوح، اثنتان أهلك بهما بنى آدم، الحسد وبالحسد لُعِنْتُ وجُعِلْت شيطانًا رجيمًا، والحرص وقد أُبيح لآدم الجنة كلها، فأصبت حاجتي منه بالحرص. (أخرجه ابن أبي الدنيا) .
ويقول ابن القيم كما في التفسير القيم صـ 584: للحسد ثلاث مراتب:
أحداها: بغض نعمة الله على المحسود وتمني زوالها.
والثانية: تمنى استصحاب عدم النعمة. فهو يكره أن يُحدث الله لعبده نعمة، بل يحب أن يبقى على حاله من جهله، أو فقره، أو ضعفه، أو شتات قلبه عن الله، أو قلة دينه. فهو يتمنى دوام ما هو فيه من نقص وعيب، فهذا حسد على شيء مٌقَدّر، والأول حسد على شيء محقق. وكلاهما حاسد، وعدو نعمة الله، وعدو عباده، وممقوت عند الله تعالى، وعند الناس، ولا يسود أبدًا، ولا يواسى فإن الناس لا يُسوِّدون عليهم إلا من يريد الإحسان إليهم، فأما عدو نعمة الله عليهم فلا يُسوِّدونه باختيارهم أبدًا إلا قهرًا، يعدونه من البلاء و المصائب التي ابتلاها الله بها، فهم يبغضونه وهو يبغضهم.
والثالثة: حسد الغبطة، وهو تمني أن يكون له مثل حال المحسود من غير أن تزول النعمة عنه، فهذا لا بأس به، ولا يعاب صاحبه، بل هذا قريب من المنافسة. وقد قال