الصفحة 5 من 105

وناد، وسمر وعداد: عباد الله هلموا إلى شرف الدنيا والآخرة؛ فإنه لاطريق أقرب في الوصول إلى الله من العلوم الشرعية النزهة من أن يشوبها أدنى شوب من المطامع الدنيوية، ومن ثم قال أئمة الفقه والعرفان كالامام العظم أبي حنيفة النعمان: ان لم تكن العلماء أولياء فليس لله ولي في زمن من الزمان، لكنهم لم يريدوا صور العلم، بل حقائق تطهير القلوب، ثم ملؤها من معارف القوم، دون شقاشق أهل الرسوم، وكما أن للصوفية سياحات، لا بد منها، كذلك لأئمة السنة حالات لا يستغنى أكثرهم عنها، وشتان ما بينهما شتان؛ لأن نفع تلك قاصر على أهلها، وهذه عامة النفع والإحسان، ولذا دعا لهم محمد صلى الله عليه وسلم بأعظم دعوة، وحباهم عن غيرهم بأفضل حبوة، فقال (نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها) ومع هذا العلو الشامخ، والشرف الراسخ، تقهقر الزمان، فركدت الهمم، لاسيما عن هذا العلم العلي الشأن؛ حتى كاد أن يكون نسيًا منسيًا، وإنْ بعد ما كان أمره ظاهرًا، فعاد خفيًا، ولهذا كان الناس بعد أن فقدت الرحلة في طلب الاسناد، إلى شاسع الأقطار يطلبون الإجازة بالاستدعاء بالكتابة من الأساتذة البعداء الديار، وأما الآن فقد زال ذلك التقاحم في طلبه، ونسي هذا التزاحم في نيل رتبه، وتقاعدت عنه الهمم إلى الغاية، فاخلدت إلى أرض شهواتها عن طلب الدراية والرواية، وذهب المسندون الجلة ومن كانت تزدهي بوجودهم الملة شعر [1] :

كَأَنْ لَم يَكُنْ بين الحُجونِ إلى الصَّفا ... أنيسٌ وَلَمْ يَسْمَرْ بمكَّةَ سَامِرُ

لكن بحمد الله تعالى، قد بقى من آثارهم بقايا، وفي زوايا الزمان ممن تحمل عنهم خبايا، وأنا أرجو أن أكون إن شاء الله من متبعيهم بحق، ووارثيهم بصدق؛ لأني أخذته رواية، واتقنته دراية، عن الأئمة المسندين، ممن يضيق المقام عن استيعابهم، ويحجب الاقتصار على مسانيد أشهر مشاهيرهم، شيخنا شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي، ثم شيخنا الزيني عبد الحق السنباطي، ثم شيخ مشايخنا بالاجازة الخاصة وشيخنا بالاجازة العامة لأنه أجاز لمن أدرك حياته،

(1) من الطويل، وقد نسب هذا البيت لكل من: الحماني الكوفي، وعبد الملك الحارثي، وهارون الرشيد. الموسوعة الشعرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت