الصفحة 48 من 105

يأكل، فقال: لا أشبع الله بطنه، ولا نقصَ على معاوية في هذا الحديث أصلا، أما أولا؛ فلآنه ليس فيه أنّ ابن عباس قال لمعاوية رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك؛ فتباطأ، وإنما يحتمل أنّ ابن عباس لمَّا رآه يأكل استحى أن يدعوه، فجاء فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يأكل، وكذا في المرة الثانية، وحينئذ فسبب الدعاء بفرض أنْ يراد به حقيقته، أنّ طول زمن الأكل يدل على الاستكثار منه، وهو مذموم، على أنّ ذلك ليس فيه الدعاء عليه بنقص ديني، وإنما هو الدعاء عليه بكثرة الأكل، لا غير، وهي إنما تستدعي المشقة والتعب في الدنيا، دون الآخرة، وكل مَن لم يضره نقص أخروي لا يُنافي الكمال، وأمَّا ثانيا فبغرض أنّ ابن عباس أخبر معاوية بطلب النبي صلى الله عليه وسلم، يحتمل أنه ظنّ في الأمر سعة، وأنّ هذا الأمر ليس فوريا، على أنّ الأصح عند الأصوليين والفقهاء أنّ الأمر لا يقتضي الفورية، إلاّ أمره صلى الله عليه وسلم لأحد بشيء كان دعاه إليه فإنه تجب إجابته فورا، وإنْ كان في صلاة الفرض، وكأن معاوية لا يستحضر هذا الاستثناء، أو لا يقول به، وحينئذ فهو معذور، وأمَّا ثالثا فيحتمل أنّ هذا الدعاء جرى على لسانه صلى الله عليه وسلم من غير قصد، كما قال لبعض أصحابه: / تربت يمينك 28 ب ولبعض أمهات المؤمنين: عَقْرَى حَلْقَى [1] ، ونحو ذلك من الألفاظ التي كانت تجري على ألسنتهم بطريق العادة من غير أنْ يقصدوا معانيها، وأما رابعا فأشار مسلم في صحيحه إلى أنّ معاوية لم يكن مستحقا لهذا الدعاء؛ وذلك لأنه أدخل هنا الحديث في باب مَن سبّه النبي صلى الله عليه وسلم، أو دعا عليه، وليس هو أهلا لذلك: كان له زكاة وأجرا ورحمة، وما أشار إليه ظاهر؛ لما قدمته أنه يحتمل أنّ معاوية لم يُخبَر بطلب النبي صلى الله عليه وسلم له، أو أنه أُخبِر ولكنه ظنّ أنّ في الأمر سعة، أو كان معتقدا أنه لا يجب الفور، كما هو رأي جماعة من أئمة الأصول، وعند هذه الاحتمالات اللائقة بكمال معاوية، وفقهه، ومكانته، يتعين أن يكون

(1) جاء في صحيح البخاري 19/ 131 / المكتبة الشاملة: حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْفِرَ فَرَأَى صَفِيَّةَ عَلَى بَابِ خِبَائِهَا كَئِيبَةً حَزِينَةً لِأَنَّهَا حَاضَتْ فَقَالَ عَقْرَى حَلْقَى لُغَةٌ لِقُرَيْشٍ إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا ثُمَّ قَالَ أَكُنْتِ أَفَضْتِ يَوْمَ النَّحْرِ يَعْنِي الطَّوَافَ قَالَتْ نَعَمْ قَالَ فَانْفِرِي إِذًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت