وقد ظن بعضُ الناس أنه إنما نهى عنه، لكونه معدومًا، فقال: لا يَصِحُّ بيعُ المعدوم، وروى في ذلك حديثًا أنه نهى عن بيع المَعدُومِ، وهاذا الحديث لا يُعرف في شيء من كتب الحديث، ولا له أصل، والظاهر أنه مروي بالمعنى من هذا الحديث، وغلطَ مَن ظَن أن معناهما واحد، وأن هذا المنهي عنه في حديث حكيم وابن عمرو رضي الله عنهما لا يلزمُ أن يكون معدومًا، وإن كان، فهو معدوم خاص، فهو كبيع حَبَلِ الحَبَلةِ وهو معدوم يتضمن غررًا وترددًا في حصوله" [1] ."
ثم قال - رحمه الله:"والمعدوم ثلاثة أقسام:"
1.معدوم موصوف في الذمة، فهاذا يجوز بيعه اتفاقًا، وإن كان أبو حنيفة شرط في هذا النوع أن يكون وقت العقد في الوجود من حيث الجملة، وهاذا هو المُسلم، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
2.والثاني: معدوم تبع للموجود، وإن كان أكثرَ منه وهو نوعانِ: نوع متفق عليه، ونوع مختلف فيه، فالمتفق عليه بيعُ الثمار بعد بُدو صلاح ثمرة واحدة منها، فاتفق الناسُ على جواز بيع ذلك الصنف الذي بدا صلاحُ واحدة منه، وإن كانت بقية أجزاء الثمار معدومةً وقتَ العقد، ولكن جاز بيعها للموجود، وقد يكون المعدوم متصلًا بالموجود، وقد يكون أعيانًا أُخر منفصلة عن الوجود لم تُخلق بعد.
3.والنوع المختلف فيه كبيع المقاثئ والمباطخ إذا طابت. فهذا فيه قولان: أحدهما: أنه يجوز بيعها جملة، ويأخذها المشتري شيئًا بعد شيء، كما جرت به العادة ويجري مجرى بيع الثمرة بعد بُدُو صلاحها، وهذا هو الصحيح من القولين الذي استقر عليه عمل الأمة، ولا غنى لهم عنه، ولم يأت بالمنع منه كتابٌ ولا سنة ولا إجماع، ولا أثر ولا قياس صحيح، وهو مذهب مالك وأهل المدينة، وأحد القولين في مذهب أحمد، وهو اختيارُ شيخ الإسلام ابن تيمية" [2] ."
(1) ابن القيم. زاد المعاد في هدي خير العباد. ج: 1، صفحة: 2648.
(2) المرجع السابق.