ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله:"وهذا الذي ذكرناه في الإجارة بناء على تسليم قولهم: إن بيع الأعيان المعدومة لا يجوز. وهذه المقدمة الثانية والكلام عليها من وجهين:"
أحدهما: أن نقول: لا تسلم صحة هذه المقدمة، فليس في كتاب الله ولا سنة رسوله؛ بل ولا عن أحد من الصحابة أن بيع المعدوم لا يجوز، لا لفظ عام ولا معنى عام، وإنما فيه النهي عن بيع بعض الأشياء التي هي معدومة كما فيه النهي عن بيع بعض الأشياء التي هي موجودة، وليست العلة في المنع لا الوجود ولا العدم بل الذي ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه نهي عن بيع الغرر، والغرر ما لا يقدر على تسليمه سواء كان موجودًا أو معدومًا، كالعبد الآبق والبعير الشارد ونحو ذلك مما قد لا يقدر على تسليمه، بل قد يحصل وقد لا يحصل، هو غرر لا يجوز بيعه وان كان موجودًا، فإن موجب البيع تسليم المبيع، والبائع عاجز عنه، والمشتري إنما يشتريه مخاطرة ومقامرة، فإن أمكنه أخذه كان المشتري قد قمر البائع. وإن لم يمكنه أخذه كان البائع قد قمر المشتري.
وهكذا المعدوم الذي هو غرر، نهى عن بيعه لكونه غررًا لا يكونه معدومًا، كما إذا باع ما يحمل هذا الحيوان أو ما يحمل هذا البستان، فقد يحمل وقد لا يحمل، وإذا حمل فالمحمول لا يعرف قدره ولا وصفه، فهذا من القمار، وهو من الميسر الذي نهى الله عنه.
ومثل هذا إذا أكراه دواب لا يقدر على تسليمها؛ أو عقارًا لا يمكنه تسليمه، بل قد يحصل وقد لا يحصل، فإنه إجارة غرر.