? وأما قولهم: إنه لو كان عقدًا لما بطل بموت أحد الطرفين، فإنه إنما بطل بموت أحد الطرفين لشبهه بالإجارة وهي تنفسخ بموت أحد الطرفين، والإجارة عقد، فمثلها الاستصناع.
? وأما قولهم: إنه لو كان عقدًا لم يصح؛ لأنه بيع معدوم؛ فلا نسلم أن بيع المعدوم منهي عنه شرعًا، فإن النهي هو عن الغرر وعن بيع الإنسان ما لا يملك.
فأما الغرر: فكما في المزابنة والمحاقلة؛ لأنه لا يدري هل ينبت ذلك المكان أم لا، أما الاستصناع فإنه يغلب على الظن وجوده بصفته في وقت طلبه؛ لتوفر أدواته وآلاته وقدرة الصانع على صناعته.
وأما بيع الإنسان ما لا يملك: فإذا على كان البيع حالًّا معينًا كما في حديث حكيم بن حزام مرفوعًا:"لا تبع ما ليس عندك"حيث كان يبيع الناسَ السلعةَ ثم يدخل السوق فيشتريها لهم، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم؛لوجود الغرر وإفضاءه إلى النزاع إذا علم البائع الأول أنه باعها بأعلى - بعد شرائها مباشرة -، أما الاستصناع فليس كذلك إذ هو بيع آجل موصوف في الذمة ويغلب على الظن إمكان إيجاده وقته طلبه، ففرق فيما بينهما.
ولو سلمنا بالنهي عن بيع المعدوم؛ فإن إلحاق الاستصناع بالسلم أقيس من إلحاقه ببيع المعدوم المنهي عنه؛ إذ إن الاستصناع كالسلم في كونه بيع آجل موصوف في الذمة يغلب على الظن وجوده وقت التسليم، فإلحاقه به أولى. [1]
على أن بعض الفقهاء - ممن منع بيع المعدوم - أجاز بيع المعدوم عند القدرة على تسليمه؛لانتفاء الغرر عن المشتري، وانتفاع البائع بالمال لعدم قدرته على تحصيل ذلك المعدوم، ففيه من المصلحة ما لا يخفى.
(1) انظر: عقد الاستصناع لكاسب البدران، صفحة: 82، وعقد الاستصناع لمصطفى الزرقا، صفحة: 18.