وقد يكون للبائع مقصود صحيح في تأخير التسليم كما كان لجابر حين باع بعيره من النبي صلى الله عليه وسلّم واستثنى ظهره إلى المدينة؛ ولهذا كان الصواب انه يجوز لكل عاقد أن يستثنى من منفعة المعقود عليه ماله فيه غرض صحيح، كما إذا باع عقارًا واستثنى سكناه مدة، أو دوابه واستثنى ظهرها، أو وهب ملكًا واستثنى منفعته، أو أعتق العبد واستثنى خدمته مدة؛ أو ما دام السيد، أو وقف عينًا واستثنى غلتها لنفسه مدة حياته، وأمثال ذلك. وهذا منصوص أحمد وغيره، وبعض أصحاب أحمد قال: لا بد إذا استثنى منفعة المبيع من أن يسلم العين إلى المشتري ثم يأخذها ليستوفي المنفعة، بناء على هذا الأصل الفاسد، وهو أنه لا بد من استحقاق القبض عقب العقد. وهو قول ضعيف وهو أن موجب العقد استحقاق التسليم عقبه، والشرع لم يدل على هذا الأصل؛ بل القبض في الأعيان والمنافع كالقبض في الدين، تارة يكون موجب العقد قبضه عقبه بحسب الإمكان، وتارة يكون موجب العقد تأخير التسليم لمصلحة من المصالح ..." [1] ."
أدلة القائلين بأنه عقد:
1.أنه قد أجري في الاستصناع القياس والاستحسان، فلو كان وعدًا لما احتاج إلى ذلك.
2.أن الاستصناع يثبت فيه خيار الرؤية، والوعد لا يحتاج إلى خيار رؤية لأنه لم يلزم أصلًا.
3.أن الاستصناع يجوز فيما فيه تعامل بين الناس، لا فيما لا تعامل فيه.
4.أن الصانع يملك الدراهم بقبضها، ولو كان وعدًا لم يملكها.
5.أن الاستصناع يجري فيه التقاضي، والتقاضي يكون غي المعقود لا الموعود.
(1) شيخ الإسلام ابن تيمية. مجموع الفتاوى، ج: 20، صفحة: 504 - 505.