واليساريون من الحكام ومن الأحزاب ومن المنظمات لا يحاربون يهود حرب تحرير، ولكنهم يحاربونهم في فلسطين (حربا طبقية) حتى إذا استلمت (الفئة العاملة) الحكم هنا وهناك، لم تعد هناك مشكلة عند اليساريين إذ إن مصلحة الطبقة العاملة في كل الدنيا واحدة، حسب زعمهم. وأما الرأسماليون الربويون الاحتكاريون الذين يفصلون الدين عن الحياة، فهم يريدون من الأمة أن تعترف بالأمر الواقع، لأن مصالحهم الربوية الاحتكارية مرتبطة بمصالح يهود الربوية الاحتكارية، والحرب قد تدمر قصورهم وتمحق رباهم، ولذلك هم يدعون إلى العقلانية، وبالرغم من إخلاص هؤلاء لدولة يهود، فإنهم لن يسطيعوا تثبيتها دولة.
وأما الآية الأخرى من سورة الأنفال، فهي تجيب على سؤال كبير يطرحه الخائفون والمرجفون والمتشككون بنصر الله. والذين يدعون إلى"العقلانية"، فيتساءلون: كيف تذهب دولة يهود ومن ورائها الغرب وما يملك من أسلحة تدمير، والشرق بما يملك من إرهاب وتخويف؟ وإن كان الشرق يدعمها دعم المنافقين، فهو يمدنا ببعض السلاح، ويمدها بالرجال. فالله سبحانه وتعالى يجيب هؤلاء الخائفين الذين يخافون على الحياة الدنيا فيقول (ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون) [الأنفال: 59] .. لا تخافوا ولا تهتموا، إن الأمر يتعلق بي، فكونوا معي وإني إذا أخلصتم في عبادتي أوفقكم إلى طريق العمل، وأتولى تدمير عدوكم. ألم تر كيف يضرب الله الأمثال لنا بين الحين والحين فيغرق عدة ولايات أمريكية بالفيضانات ويوقف الحياة في أمريكا بالثلوج والصقيع! ولقد ضرب لنا مثلا قبل عام من الزمن حينما قطع التيار الكهربائي عن أعظم مدينة في أمريكا أو في العالم (نيويورك) ، وكيف أنها دمرت في تلك الليلة ونهبت وسرقت؟ وفي (الإتحاد السوفياتي السابق) في عام 1981 م إنخفضت الحرارة إلى درجة توقفت معها وسائل التدفئة، وتعطلت الحياة، وأصبح داخل الثلاجة أدفأ من خارجها. ولقد سلط الله على أمريكا خاصة والغرب بشكل عام مرضا جنسيا جديدا، ليس الزهري ولا السيلان، وإنما (الإيدز"AIDS") ، وهو يكاد أن يتحول إلى وباء في أمريكا، فأمريكا الآن في قلق، وعلماؤها وأطباؤها في اجتماع دائم لحل مشكلة هذا المرض الذي سيقضي على زهرة شباب أمريكا وأوروبا. ولقد وصل الإيدز إلى دول الخليج ليقضي على الفاجرين منهم الذين ملأوا الأرض فسادا وفجورا حتى أصبحوا مضرب المثل في الإنسان البهيمي الحقير (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) [الأنفال: 30] .
ولقد بدأت تباشير نصر الله في التحول العجيب، والزلزال الرهيب الذي قام به شعب فلسطين المسلم، بانتفاضتة العجيبة، والجزائر بتياره الإسلامي الجارف، وانتعشت الآمال في الأمة، ورأت كيف يفعل التكبير والإستغاثة بالله العلي الكبير، وسقط فكر الثوريين والرجعيين، وصدق الله العظيم (ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون) ، ولكن الله يمهل ولا يهمل، والأمة حينما وصلت إلى حالة اليأس إلى سنة من سنن الله مع المسلمين إذ حين تصل الأمة إلى حالة اليأس يأتيها نصر الله (حتى إذا إستيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين) [يوسف:110] ، (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب) [البقرة: 214] .
وأكثر ما يمثل نصر الله في حالة الاستيئاس في غزوة الأحزاب (الخندق) ، حيث جاءت قريش بعشرة آلاف مقاتل، رابطوا أسفل المدينة، ولم تكن الجزيرة العربية تعرف مثل هذا العدد من الجيوش، ونقض يهود العهد والميثاق الذي كانوا قد عاهدوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عليه بأن لا يكونوا مع أعدائه، وحيث برز المرجفون في المدينة من المنافقين الذين كانوا يتربصون بالمسلمين الدوائر، فوقع المسلمون بين أعداء ثلاثة: عدو أسفل منهم (قريش) ، وعدو من فوقهم (يهود) ، وعدو فيما بينهم (المنافقون) ، فأخذ النبي (صلى الله عليه وسلم) بالأسباب المادية التي لا بد منها في المعركة، فحفر الخندق بإشارة من سلمان الفارسي، وكان وضع المسلمين في المدينة حرجا حيث الطعام قليل، واستولى الخوف على المسلمين حيث الحراسة المستمرة ليلا ونهارا، وحيث بلغ الجوع بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وبعض أصحابه أن ربطوا الحجر على بطونهم. وفي هذا الموقف الحرج الشديد الخطورة على الإسلام وأهله، وعلى أهل المدينة - الذين هم جل أهل الإسلام في ذلك الحين -. وبعد أن أوقع النبي صلى الله عليه وسلم الخلاف بين قريش ويهود في مهمة قام بها نعيم بن مسعود (وكان قد أسلم ولم يعلن إسلامه) .. فقال له الرسول (صلى الله عليه وسلم) :"ثبط عنا يا نعيم". فقام نعيم بعملية إيقاع بين يهود وقريش ونجح في ذلك. وكان المسلمون قد ضاقوا ذرعا بالحصار وبلغوا اليأس. حيث أن المسلمين لا ينتصرون إلا إذا بلغوا حالة الاستيئاس (حتى إذا إستيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا) [يوسف: 110] . ويصور الله حالة اليأس هذه في سورة الأحزاب (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا * إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله