فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 55

إنتهى بوفاة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فمنهم من عاد إلى جاهليته كلها، ومنهم من أنكر فرض الزكاة وقال شاعرهم:

أطعنا رسول الله ما دام فينا فيا لعباد الله ما لأبي بكر ... أيورثها بكرا إذا مات بعده فتلك لعمر الله قاصمة الظهر

وبدأت الفئة القلية المؤمنة من المهاجرين والأنصار بقيادة أبي بكر الخليفة الأول تخوض المعارك الضارية حتى تعود بالجماهير الضالة إلى رشدها، وتحملها على خير أمرها، وتمنع عنها نجاسة الشرك من جديد. وهكذا خاض المسلمون المؤمنون الواعون من (الفئة القليلة) حربا ضروسا مع الجماهير الكافرة الكثيرة حتى أرجعوها إلى الصواب. ولذلك فإن الذين يقولون إن الإسلام"ديمقراطي"هم لا يفقهون الحقيقة. فالإسلام ليس"ديمقراطيا"، وليس"إشتراكيا"وليس"رأسماليا"، والإسلام ليس علما على شيء من هذه الأسماء التي إخترعها البشر. ولكنه دين رب العالمين. ولذلك لو إختارت"الأكثرية"نظاما غير الإسلام، ودينا غير دين الإسلام، فإن ذلك لا يقبل منها. ويجب أن تحاربها"الأقلية"- الفئة القليلة المؤمنة - لترجعها إلى دينها وإلى إسلامها. ولذلك تخطئ كثير من الحركات الإسلامية حينما تنتظر أن يتحول الشعب كله أو جله إلى حمل الدعوة، وأن يحمل الإسلام كل فرد فيه بوعي وبصيرة، وفهم وتعمق، لأن إنتظار ذلك يخالف سنة من سنن الله في المجتمعات، إذ يكفي أن توجد الفئة المؤمنة القليلة لتتحرك بتنظيم ووعي وتخطيط، فتأخذ زمام المبادرة وتقود الأكثرية الساحقة. وقد توصل بعض علماء الاجتماع الغربيين بعد دراسة أحوال المجتمعات البشرية، إلى أن الذين يفكرون في تغيير أحوال المجتمع هم 16 في المائة من أفراد المجتمع، والذين ينهضون بالفعل لتغيير مجتمعهم لا تتعدى نسبتهم عن (3.5%) . أما بقية أفراد المجتمع فهي تتبع لا غير. ولقد وري عن الإمام علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- أنه قال:"الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على وجه الحقيقة، وهمج رعاع يتبعون كل ناعق". وهذه حقيقة لا تحتمل التغيير والتأويل، وهي سنة من سنن الله في خلقه. فحينما أخذ الشيوعيون الحكم في روسيا لم يكن الشعب في روسيا يدري ما الشيوعية، ولكن الفئة القليلة المنظمة استطاعت أن تتسلم الحكم. وليس الأمر أمر (تطور حتمي) للمجتمعات كما زعم (ماركس) و (لينين) و (أنجلز) ، لأن إستلام الفئة القليلة للحكم نقض لنظرية التطور الحتمي، والأدوار التي تمر بها تلك المجتمعات -كما يزعمون- إذ لو كان الأمر كما قالوا لأصبحت إنجلترا وألمانيا وأمريكا ودول الغرب دولا شيوعية قبل الإتحاد السوفياتي والصين، لأنها مجتمعات متقدمة صناعيا، فهي أولى بالتطور نحو الإشتراكية - حسب نظريتهم - من الإتحاد السوفياتي والصين لأن الأخيرة بلاد زراعية. وعلى كل حال فقد بطلت النظرية الشيوعية كلها وإلى الأبد بتفسخ الإتحاد السوفياتي إلى دويلات.

ولذلك فإن الفئة المؤمنة التي صبرت على دينها وأنار الله بصيرتها فلم تلحق بسراب المبادئ المستوردة، ولم تصفق للطغاة، ولم تهتف للمتجبرين، وصبرت على طهرها، فلم تنغمس في رجس الجاهلية، فعبدت الله وحده لم تشرك به شيئا، وصبرت مع أحكام الإسلام وسط مجتمعات جاهلية. هذه الفئة عليها أن تتقرب إلى الله باستمرار وأن توحد نفسها، وأن تكثر من البكاء والتضرع والسجود وتلاوة القرآن الكريم وهي تعمل لعل الله يفتح على أيديها.

إن إرهاصات عودة الإسلام إلى الحياة أصبحت محل دراسة الباحثين في الغرب وفي الشرق. ففي خلال العقود الثلاثة الأخيرة ضربت الحركة الإسلامية - خصوصا في مصر - وسحقت سحقا، وظن الظانون أن الأمر قد إنتهى، وأن الحركة الإسلامية ذهبت إلى غير رجعة، ولكن سرعان ما خاب فألهم، وتبين مقدار جهلهم بالعقيدة الإسلامية، وكيف أنها دائما وعبر التاريخ تصقلها الهزات، ولا يثني حملتها الإضطهاد، ويسرع شبابها إلى الجنة والإستشهاد.

ولذلك، فإن النصارى ويهود ومن سار في ركابهم من المسلمين، أصبحوا يدرسون هذه الظاهرة، ويخططون من أجل التغلب عليها، فقد نشرت مجلة (الدعوة) المصرية في عددها الصادر بتاريخ 31 / ديسمبر / 1978 م تقريرا (سريا للغاية) لأحد مستشاري المخابرات الأمريكية لضرب الحركات الإسلامية وقتلها وتفريغها من مضمونها (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) [الأنفال: 30] .

وقد جاء في التقرير:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت