عليه، لأنها لم تتخذ الإسلام طريقا وأسلوبا ومنهاجا. والله يقول (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) [محمد: 7] ، فما نصروا الله حتى ينصروا.
الآية السابقة الذكر في سورة الإسراء قد نصت على بركة الأرض التي تحيط بالمسجد الأقصى، وكذلك آيات أخرى نصت على هذه البركة مثل قوله تعالى في سورة الأنبياء في حق الخليل إبراهيم عليه السلام (ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين) [الأنبياء: 71] ، وقوله (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين) [سبأ: 18] ، وكذلك قوله سبحانه وتعالى (ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها) [الأنبياء:81] . وقوله تعالى (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها) [الأعراف: 137] . وبالإضافة إلى عشرات الأحاديث النبوية الشريفة.
والبركة هي الزيادة في كل شيء. وليست بركة هذه الأرض مادية فقط، وإنما بركتها بالإضافة إلى الأشياء المادية بركات معنوية تتمثل في أنها عش الأنبياء، ولذلك فكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في دفنه في بيت المقدس عند وفاته بإعتباره عش الأنبياء، وكانت لم تفتح بعد. وهي مهبط الوحي، وهي مسرى النبي ومعراجه صلى الله عليه وسلم منها، وهي القبلة الأولى، فقد صلى المسلمون إلى مسجدها أربع سنوات ونيف، منها ثلاث سنوات في مكة حيث فرضت الصلاة في السنة العاشرة من البعثة، فأمر النبي والمسلمون معه أن يصلوا إلى القدس، وأن يجعلوا الكعبة بينهم وبين القدس، وصلى سبعة عشر شهرا إلى القدس في المدينة. ومسجدها تشد إليه الرحال، كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى".
ومن بركة هذه الأرض أنه حينما يبتعد المسلمون عن محور عزهم ومركز قوتهم، وهو الإسلام، يضعفون ويتمزقون وتكثر دولهم ودويلاتهم، فيسهل على العدو أن يتسرب من خلالهم فيأخذ الأرض المباركة ويأخذ المسجد الأقصى، وعندها يتحرك المسلمون حركة حياة جديدة، وينفضون غبار الهزيمة فيعملون لاستخلاص هذه الأرض، فعن طريق استخلاصها يتم توحيد الأمة.
ولذلك لن يصل أحد إلى حل عادل مع يهود وأعوانهم حتى يأتي أمر الله ويتوحد المسلمون ويعود الإسلام محركا للحياة في ديار الإسلام وفي العالم كله.
وقد ظهرت بركة هذه الأرض في الحروب الصليبية، إذ بعد أن أخذها الصليبيون وظنوا أن الأمر قد استقر لهم، كانت حروبهم سببا في توحيد المسلمين من جديد، فكان نور الدين زنكي الذي وحد الأجزاء المبعثرة، وأخذ الراية منه صلاح الدين، فكانت حطين النصر المبين، وكانت معركة القدس فيما بعد ودخلها رحمه الله، فأعاد الأمن والأمان إليها وعاد مسجدها إلى قدسيته وطهره.
وقد قدر لأهل الشام وفلسطين منها، أنهم مرابطون إلى يوم القيامة حيث الكفار لا يتركون الأرض المباركة يستقر أهلها وهم يريدون إزالة مسجدها ليقيموا عليه الهيكل اليهودي.
روى الطبراني عن النبي صلى الله عليه وسلم:"إن أهل الشام وأزواجهم وذراريهم وعبيدهم وإمائهم إلى منتهى الجزيرة مرابطون، فمن نزل مدينة أو قرية من المدائن فهو في رباط، أو ثغر من الثغور فهو في جهاد". وقدر أهل الشام كذلك، أن ينتقم الله بهم من أعدائه. فعن خريم بن مالك:"إن أهل الشام سوط الله في أرضه ينتقم بهم ممن يشاء من عباده، وحرام علي منافقيهم أن يظهروا على مؤمنيهم ولا يؤتون إلا هما وغما". رواه الطبراني مرفوعا وأحمد موقوفا ورجاله ثقات.