فلما ابتعدت عن الفكر المستنير، وأخذت تهبط متدرجة حتى وصلت إلى الحضيض، إستطاع عدوها الكافر أن يثب عليها أول مرة في الأندلس، حيث ملوك الطوائف وعنعنات الجاهلية المتمثلة بالقيسية واليمنية والتي أخذها العرب معهم إلى أوروبا، فذهبت منها الدرة الثمينة، والبلاد التي أشرق فيها نور الإسلام يوما يشع على العالم النصراني من حوله يضيء جنبات فكره، فلما كان العصر الحديث، وهي في خمولها وانحطاطها وتدهورها، استطاع عدوها أن يسيطر عليها ويمزقها ويستذلها، وعاشت في دويلات أو شبه دويلات، وفي إمارات تشبه الحارات، وعدوها يخطط للقضاء على حضارتها حتى وصلنا إلى أن التحدث في الإسلام أصبح معيبا وأن الذي يتحدث عن الإسلام في حديثه يتحدث عنه على استحياء خوفا من أن يتهم بالرجعية أوالتخلف أوالجمود.
ورأينا علماء أو ما يشبه العلماء يسيرون في ركاب الكافر، يعطيهم بعض حظهم من الدنيا فتاتا لا يغني، ومناصب ليس لها معنى، وحصر الدين في المساجد مع مراقبته لها، وخطط للدين في المدارس وسماه التربية الإسلامية، مع أن الإسلام يربي الفرد وينشئ الدولة، ويصنع الحضارة، وفيه لكل مشكلة من مشاكل الحياة حل، وركب الشباب - الذين رباهم الكفر في مدارسه - موجة القوميات، ومشوا تحت شعار العلمانية زاعمين أنهم بأمتهم سينهضون، وقد ترك الإستعمار بلادهم بعد أن مكن لهؤلاء الشباب، وسلمهم السلطة، وقد انضووا تحت ستار أحزاب كافرة، أو قادة انقلاب للحكم مغتصبة، تؤلف لها أحزابا وجماعات من المنتفعين والمطبلين والمزمرين. ومن العجيب الغريب أن هؤلاء الشباب، والأحزاب التي ألفوها والانقلابات التي صنعت لهم كلهم ينادون بالوحدة - شعارا - وكل يعمل لهدمها خوفا على كرسيه أو منصبه، وحتى لا تذوب الحدود والسدود. وضاعت فلسطين في مرتين: المرة الأولى في عام 1948 م في ظل الحكام التقليديين الرجعيين الذين نصبهم الاستعمار مباشرة بعد أن تعاونوا معه في القضاء على دولة الخلافة وفي الرضا بالتجزئة وفي القبول بالكيانات الهزيلة وفي ألا يعود الإسلام إلى الحياة وأن ينزوي في المساجد أو التكايا أو الزوايا.
وفي المرة الثانية في عام 1967 م في ظل حكم الثوريون الذين جاءوا بإنقلابات عسكرية يركبون متن"القومية"و"الاشتراكية". وفي هذه المرة ليست قومية الرجعيين وإنما قومية ثورية، مشتطة قي ثوريتها ـ حامية شعاراتها، ملتهب حماسها، تزمجر وتولول: ويل للاستعمار! ويل ليهود! ويل للرجعية التي تعيش في القصور وفي الفجور! وفجأة تأخذ هذه الفئات تبحث عن قصور الرجعيين الذين سبقوهم في موالاة يهود والنصارى، فسبقتهم في فجورهم وفي نعيم قصورهم، وفي أساطيل سياراتهم وفي تنوعها، حتى إذا لم تجد القومية ما يغني لتنظيم شؤون الحياة لم تعد إلى ذاتها الحضارية، وإلى عقيدة أمتها، وإلى الإسلام تستغيثه ليحل المشكلة الإقتصادية والإجتماعية والسياسية وكل مشكلات الحياة. وأغلبها جاهل بالإسلام لا يعرفه، وكلهم حاقد على الإسلام لا يريده، لأن عقولهم ونفوسهم صنعت في مطابخ المخابرات الشيوعية، فأخذوا يتجهون إلى"الاشتراكية العلمية"يلبسونها القومية أو يلبسوها للقومية. والاشتراكية العلمية تعني بكل بساطة إنكار وجود الخالق وقبول نظرية التطور الحتمي في المجتمع والتاريخ والإنسان والحيوان وكل الموجودات. ولا يستحون بعد ذلك أن يقولوا: إنها اشتراكية عربية، والذي إخترع الاشتراكية يهودي ألماني وروسي (ماركس ولينين) ، ويضاف إليهما أنجلز. والحقيقة أن هؤلاء الثوريين لا يفقهون حتى الماركسية، وإنما يريدون أن ينفلتوا من كل القيم، ومن كل خلق ليعيشوا عيشة بهيمية.
وكانت حركات إسلامية قد برزت في منتصف هذا القرن، أو قبل ذلك بقليل، وأخذت تكون خطرا على كيان يهود، فكان لا بد من سحقها على أيدي الثوريين لتثبيت إسرائيل دولة. وأصبح التدين في بعض الأقطار العربية الإسلامية جريمة يعاقب عليها، وأصبح الإيمان مطاردا أصحابه، وأصبح كثير من المؤمنين يخفون إيمانهم.
وتوالت الهزائم على أيدي الثوريين ولم يكونوا أحسن حظا من الرجعيين، وكانت القومية الثورية صنو القومية الرجعية، نافستها في كل شيء: في العمالة (وإن كانت عمالة الأولى واضحة، والثانية تتستر وراء الشعارات وشتم الاستعمار وخداع الجماهير وتضليل العامة) . والطرفان يتفقان في خدمة الاستعمار، ولكن بإسلوبين مختلفين. فالقوميون التقليديون يريدون فصل الدين عن الحياة، وأغلبهم من الماسونيين الذين لا يؤمنون بدين إلا دين الماسونية، ويريدون الإسلام أن يبقى على رباهم وزناهم وخمرهم وميسرهم وعمالتهم وتسليمهم لأوطانهم، وبعد ذلك فليصل من يشاء أن يصلي، وليذهب إلى المسجد من يشاء أن يذهب إلى المسجد، وليصم من يشاء أن يصوم، وأما السياسة فليست من صناعة الدين ولا أهل الإسلام، والعلماء الذين يطلق عليهم (رجال الدين) لا يصح أن يتدخلوا في السياسة، وهم بذلك يجعلون من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) راهب كنيسة أو شيخا في زاوية تتدلى في رقبته سبحته، يتمتم بالكهانة ولا يعتني بشؤون الحياة، ويجعلون من القرآن العظيم كتاب أدعية وأحجبة، يتلى على أمواتهم