فإذا عرفت هذه الفئة أو الثلة كيف تأخذ الزمام، وتمسك بالخطام، أعادت لأمتنا سيرتها الأولى، تصعد المجد من جديد، تحت راية واحدة، وقيادة واحدة، وتدخل مع الكفر في المعركة المحتومة (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) [التوبة: 33] ، (والله متم نوره ولو كره الكافرون) [الصف: 8] .
وحين يتكشف الأمر وتنكشف الحقيقة سيعرف الناس أن هذه الأحزاب، وهؤلاء القادة والحكام والعائلات المالكة صنعوا بليل التآمر وفي دهاليز السفارات، وعلى أيدي المخابرات الأجنبية، وذلك الحاكم أو الملك الذي يريد من الإسلام أن يقف في وجه الشيوعية والإشتراكية - أيام الشيوعية - بحجة أن الشيوعية إلحاد، وأن الإشتراكية كفر - وهي كذلك - فإذا طولب بأن يمنع الربا في قوانين بلاده وهو حرام في الإسلام، أو أن يحرم الخمر والميسر، أو أن يمنع الإحتكار، أو أن يمنع الظلم والتبذير والسفه، قامت أجهزته التي يبطش بها تقول: هذا تدخل من الدين في السياسة!! وإذا طولب بحرب يهود ومعادات من يواليهم (وهو أشد عداوة لله من الشيوعية) تمسك بالعقلانية والإعتدال، وهو بهذا يغالط نفسه ويهرب من الحقيقة، وهو أن هذا الدين أنزله رب العالمين ليسوس الناس به أنفسهم، فالدولة في نظر الإسلام خليفة يطبق الشرع.
أقول: حينما تتكشف الحقائق سيندم كثير من الناس من الفئة المؤمنة على الأصوات التي كانوا يرفعونها لتحية هذا الزعيم أو ذاك الملك، لأنها حينما تنكشف الحقائق فستنكشف فيها صفات من التآمر والخداع والخيانة والتدنيس، فيصبح هؤلاء الحكام والملوك الذين خانوا ودنسوا نادمين على ما فعلوا، ولكن ولات ساعة مندم.
ثم تمضي الآيات (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه) [المائدة: 54] ، فيوالي يهود والنصارى وينصرهم على أمته، فيعتقد بعقيدتهم بأن الإسلام يجب أن يبعد عن الحياة، وأنه لا مكانة له في الدنيا إلا في مسجد أو زاوية أو طريقة صوفية منحرفة أو إحتفالات في مناسبات دينية ليس لها سند من شرع أو دين أو إحتفالات في موالد وثنية تقام حول بعض القبور تنقر بها الدفوف وتضرب فيها الطبول. فإذا سارت بهؤلاء القوم الذين إرتادوا الغواية إلى نهايتها فيهدد الله سبحانه وتعالى بأنه (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) [المائدة: 54] ، وللمفسرين هنا ثلاث أقوال، فبعضهم قال: (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) : المراد أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - في قتاله للمرتدين، وقال بعضهم: المراد الأنصار، وقال آخرون: المراد اليمن من جماعة أبي موسى الأشعري (الأشعريين) .
والأقوال الثلاثة مردودة للأسباب الآتية:
أولا: الآيات تتحدث عن الموالاة بين يهود والنصارى، وعن الذين سيوالونهم من المؤمنين، وأبو بكر - رضي الله عنه - قاتل المرتدين من المشركين. ونزلت الآيات وأبو بكر موجود، والآية تتحدث عن مستقبل بعيد."فسوف"للمستقبل البعيد.
ثانيا: نرد على من قال بأن المراد بهم الأنصار: أن سورة المائدة هي آخر سور القرآن نزولا في المدينة، وكان أهل المدينة قد نالوا شرف النصر. حملوا هذا اللقب العظيم قبل نزول سورة المائدة، والآيات هنا تتحدث عن مستقبل بعيد.
ثالثا: أما من قال أن المراد هنا اليمنيون من جماعة أبي موسى الأشعري، فهؤلاء كانوا فئة قليلة إندمجت مع المهاجرين والأنصار، وينطبق عليها ما انطبق على الأنصار، ولذلك فإن الإمام المفسر القرطبي يورد قولا بأن الآية (فسوف يأتي بقوم يحبهم ويحبونه) لم تنزل للمؤمنين في عهد نزولها، وإنما هي آية مستقبلية.
وهنا تأخذ الآيات في وضع صور متقابلة بين الفئة التي ارتدت ووالت يهود والنصارى، والفئة التي يأتي بها الله لمحاربة يهود والنصارى:
أولا: أحباب الله من المؤمنين الذين سيأتي الله بهم، صفاتهم أنهم (أذلة على المؤمنين) [المائدة: 54] ، يرعون المؤمنين حق الرعاية كالأم لإبنها والولد لولده فهم أذلة على المؤمنين، بخلاف الفئة التي والت يهود والنصارى فهم