فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 55

ذلك إلى حين، فسينكشف أمرهم كما إنكشف أمر أتاتورك، ولقد أحس المرحوم عدنان مندريس بالشعور الحقيقي للشعب التركي المسلم، وأنه لم يستطع الدستور العلماني الذي وضعه أتاتورك، ولا الكبت، ولا الإرهاب، ولا تغيير الحروف العربية للغة التركية إلى الحروف اللاتينية والتي أراد بها أتاتورك وأعوانه والمخططون من ورائهم يهود والنصارى أن يقطعوا صلة الشعب التركي بتراثه وتاريخه، وبعقيدته وبإسلامه، وبأدبه وحضارته، وشعره ونثره (إذ منذ أن قامت دولة السلاجقة الأتراك، ثم الدولة العثمانية التركية كتبت حضارتها بالحروف العربية، بالإضافة إلى شروح القرآن والأحاديث النبوية، وكذلك كتب القصة والأدب) . فأرادوا أن يقطعوه عن كل ذلك، ولكن لم ينقطع إذ بقي القرآن كتاب الله وحده ويتحدى الظلم والدساتير والبطش والإرهاب، فكان المسلم التركي - وكل الأتراك مسلمون - يضطر إلى أن يقرأ القرآن بلغته العربية حتى يستطيع أن يصلي. وأخيرا أعاد مندريس، بعد أن شعر بحقيقة الشعور الإسلامي، أعاد الآذان باللغة العربية، وفتح المعاهد والكليات في مختلف الولايات التركية لتدريس الشريعة الإسلامية باللغة العربية، وبنى المساجد، فخاف الغرب أن يعود الإسلام مرة أخرى مؤثرا في حياة تركيا. . هذا الإسلام الذي جعل الشعب التركي يأخذ (القسطنطينية) من أيدي الصليبيين لتصبح مدينة المآذن والمساجد، بعد أن كانت مدينة النواقيس والكنائس، فأسرع الغرب لعمل إنقلاب ضد عدنان مندريس، فقتله وأعدمه، ولكنه لم يستطع أن يعيد الآذان إلى اللغة التركية، بل بقي باللغة العربية، ولم يستطع أن يلغي المعاهد التي أنشأها لتعليم الشريعة الإسلامية بل زادت وأتسعت حتى كادت تبلغ الثلاثمائة بالإضافة إلى ستة معاهد عليا، وكليتين جامعتين. وبدأ الشعور الإسلامي ينفض الغبار، وينفك من الإسار، ويفتح عينيه على الحقيقة، فإذا حزب إسلامي (حزب الرفاه) يدخل الحياة النيابية على أساس الحكم بالإسلام والعودة بالإسلام، ويقيم هذا الحزب مؤتمرا للسيرة النبوية في إستطنبول يدعو إليه عددا من العلماء والمفكرين من أنحاء العالم الإسلامي. ولم يكن عقد هذا المؤتمر بالسهولة الميسورة، إذ أن الكماليين واليساريين حاولوا جهدهم أن يمنعوه، ولكنه انعقد في عاصمة الخلافة، ولم يمض على موت أتاتورك أربعون عاما، وصدق الله العظيم حين قال (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون) [الأنفال: 36] . ولقد رأينا في إستطنبول صبية في عمر الورود في الثالثة عشرة والرابعة عشرة من عمرهم يحفظون القرآن غيبا ويتلونه وهم يستشعرون العزة الروحانية والخشوع لله.

وهكذا بدأ مارد الإسلام يتململ وينفض غبار التاريخ تمهيدا لعودته إلى قيادة المسلمين وتوحيدهم ولم شملهم، ثم ينطلق لينقذ البشرية من جحيم حياتها، ومن إنهيار القيم فيها، وليعيد الهدوء إلى نفوس الناس والإستقرار والطمأنينة.

هؤلاء الناس المساكين الذين يبحثون عن المخلص، فلم يجدوه في الكنيسة وطقوسها الوثنية، فكثرت الأديان، وكثرت الآلهة، وكثر الكذابون والدجالون، وما قصة معبد الشعب في غيانا الأمريكية حيث أمرهم نبيهم المزعوم أن يسمموا أطفالهم ثم يقتلوا أنفسهم إلا عملية تمثل إنهيار الحضارة الغربية والنصرانية الغربية، وبشاعة الرأسمالية أبشع تصوير.

والواقع أن المسؤولية في هذا كله تقع علينا معشر المسلمين، فنحن أصحاب الكتاب الحق، وأتباع النبي الخاتم، التي جعلها الله خير أمة أخرجت للناس مكلفة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) [آل عمران: 110] .

ولكن كيف يتم ذلك؟ وكيف نقوم بذلك و"المنكر"في بلاد المسلمين أصبحت له قوانينه وتحميه الأنظمة، وتدافع عنه الجيوش؟ و"المعروف"في بلاد المسلمين مضطهد أهله، محارب أصحابه، يستهزأ به في مجالس الذين صنعوا الهزيمة، وما رأينا على أيديهم إلا الذل والسخيمة. ولكن هذا المنكر والأنظمة التي تحميه، والقوى التي تدافع عنه هو مرض عارض في تاريخ أمتنا، عوقبنا به ولن يستمر طويلا! إن الأمة بدأت تتعافى من المرض، وتصحو من الغيبوبة، وتستيقظ على الحقيقة. ولا أعني بالأمة، كما قلت سابقا، هذه الجماهير التي تشغلها لقمة العيش عن التفكير، وليس لديها المقدرة على التحليل، وهي تأخذ الأمور بظواهرها، ويسوقها حكامها إلى حتفها وهي تضحك، وإلى المجزرة وهي تصفق، وإلى الهزيمة تلو الهزيمة وهي تهتف للزعيم أو للملك أو تقدس الحزب، وإنما أعني بالأمة: القلة الواعية، والفئة المؤمنة التي بدأت تعود إلى القرآن، تستفيق فيضيء لها جنبات دربها. هذه القلة التي عناها الله بقوله (ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين) [الواقعة: 13 - 14] ، وقوله تعالى (ثلة من الأولين * وثلة من الآخرين) [الواقعة: 39 - 40] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت