لكن نظرة إلى الواقع تشير إلى غياب مفهوم (الدولة-الأمة) إذ انفصل المصطلحين ليغطيا دلالات متعددة فمفهوم الأمة الإسلامية المعاصر لا يدل على وحدة الدولة وإنما هو رباط يقوم على أساس الدين ويجمع دولًا مختلفة ذات سيادة تلتقي في مصالحها أحيانًا مع غيرها من الدول الإسلامية وتختلف في مواضع أخرى بل يصل الخلاف أحيانًا إلى الحرب والاقتتال مثلما حدث بين إيران والعراق ما بين 1980 - 1988 م، والحرب التي دارت بين باكستان وبنغلاديش (والتي كانت تسمى باكستان الشرقية قديمًا) وذلك عام 1971 م، وغيرها من الحروب والصراعات التي نشبت بين الدول الإسلامية، ولعل الصورة التي تعبر عن تجمع المسلمين ودولهم تمثلت في قيام منظمة هي منظمة المؤتمر الإسلامي التي تجمع معظم الدول الإسلامية، لكن المنظمة لا تمثل (الأمة) بمفهومها السياسي والسيادي، بل تمثل نقطة التقاء بين المسلمين شأنها شأن المنظمات الدولية الأخرى.
والواقع أن الخلاف بين مفهوم وحدة الأمة والدولة أو افتراقها يرتبط بالتاريخ والسيرورة العملية لحياة المسلمين أكثر من ارتباطه بالنصوص القطعية، إذ أن ورود النصوص الشرعية بوحدة الأمة كقوله تعالى:"إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ" (76) .
يمكن أن يستدل به كلا المعنيين، أي أن الأمة والدولة هما شيء واحد، وأن الأمة بمعناها الواسع الذي يفيد الانتماء إلى الدين وليس الإقليم، والفيصل في كلا الأمرين هو التطبيق العملي لهذا المفهوم والإسلامي لا يمنع أو ينفي قيام الدولة على أساس مفهوم الأمة الواحدة وإن اختلفت مكوناتها الجغرافية والبشرية، بل يطلب ذلك ويعمل له، و التاريخ المعاصر شاهد على قيام الأمة ـ الدولة ـ فهذه الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا والهند والصين وروسيا، وكلها أرضا شاسعة مترامية الأطراف متعددة الأجناس والديانات ومختلفة الأقاليم، و مع ذلك فيه دولة واحدة، وإن اختلف تكوينها السياسي بين الدولة الموحدة (الصين ـ مثلا) ، والدولة الإتحادية (الولايات المتحدة ألأمريكية ـ مثلا) ، أي أن القول بالدولة الأمة، أو الدولة الواسعة أمر واقعي، لكن ذلك أيضًا لا يمنع من قيام الدول المتعددة ذات الانتماء إلى الأمة الواحدة (الإتحاد ألأوروبي ـ نموذجا) وكما هو الحال بالنسبة للدول الإسلامية اليوم والقول، إن القول بوجوب وحدة الأمة الإسلامية في دولة واحدة يعني عدم مشروعية الدول الإسلامية القائمة حاليًا، وهذا ما لم يقل به أحد من الفقهاء المعاصرين لأن القول بعدم المشروعية يترتب عليه أحكام كثيرة، وهذا ما وقع فيه بعض أبناء الإسلام حين اعتمدوا أساليب العنف والتشدد والتطرف انطلاقًا من عدم مشروعية الواقع القائم البلدان المسلين وقد أدى هذا الخلل إلى شيوع مصطلحات كثيرة كالتكفير ووجوب الهجرة إلى دار