حديث أبي الدرداء عن التداوي بالمحرم، والنهي يفيد التحريم عند الإطلاق، لأنه حقيقته، فأفاد كسابقه حرمة التداوي بالمحرم.
تأول بعض العلماء هذين الحديثين:
قال البيهقي: هذان الحديثان إن قيل بصحتهما يحملان على النهي عن التداوي بالمسكر أو على التداوي بكل محرم في غير حال الضرورة إلى التداوي به، جمعًا بينها وبين حديث العرنيين [1] .
ثالثًا: المعقول:
إن الله تعالى إنما حرم ما حرمه على هذه الأمة لخبثه، حماية وصيانة لها عن تناوله، فلا يناسب هذا أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل، فإنه إن أثر في إزالتها أعقب سقمًا أعظم منها في القلب، بقوة الخبث الذي فيه، فمن يتداوى به يكون قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب.
المناقشة والترجيح:
إن الذي تركن النفس إليه من هذين القولين - بعد الوقوف على أدلتهما- وما اعترض به على بعضها، وما أجيب به عن بعض هذه الاعتراضات - هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، من جواز التداوي بالمحرم في الجملة، إذا ثبت أن فيه دواء لداء معين، ودعت إليه الضرورة، بأن لم يوجد دواء مباح يقوم مقامه في التداوي به من المرض، ووصف الدواء المحرم طبيب مسلم عدل ثقة حاذق بالطب، أو كان المريض يعلم أنه لا ينفع في مرضه إلا هذا الدواء المحرم، لمعرفته بالطب، أو لتجربة سابقة له مع هذا المرض،
(1) السنن الكبرى 5/ 10.