فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 356

إن المتأمل لتطورات الفتنة عند وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، يكتشف تحالفا ضمنيا ـ على أقل تقدير ـ، انعقد بين المنافقين والمرتدين. وكأنما خطة إياس بن عبد الله كانت تدور بشكل آخر في ذهن أبي سفيان الذي عرض على الإمام علي أن ينصره بجيش يملأ الأرض على أبي بكر خيلا ورِجْلًا [1] ؛ إذ لا يستطيع أن يجند هذا العدد الهائل إلا بتحالف بين المنافقين والمرتدين، والمسلمون قلة مستضعفة ولا قدر لأبي سفيان عندهم لأنه من الطلقاء.

أما الصف المسلم الذي لا يشكو نفاقا ولا ردة، فقد كان يعاني آفتين مزمنتين، آفة العصبية العائلية والقبلية، وآفة التشوف إلى السلطة واحتكارها، وكلاهما قاتلتان.

كان المجتمع العربي المسلم يومئذ، موزعا بين عديد من مراكز الاستقطاب العائلي والقبلي، كما هو شأن المجتمعات البدائية ذات العصبية.

بنو هاشم، وفيهم النبوة الخاتمة والسيادة الدينية قبل البعثة، وفيهم قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - [2] :"إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم".

وكان غرة جبينهم الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ، بما فضله الله تعالى من قرابة ومصاهرة للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وما حباه به من علم وفضل وشجاعة وفصاحة وحكمة، وقد قال عنه - صلى الله عليه وسلم - [3] :"أنا مدينة العلم وعلي بابها". وكان حريا ببني هاشم إِنْ ولي الخلافة أن يتخذوه جسرا لاحتكارها في البيت الهاشمي.

وعصبية بني أمية ورائدهم عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ، ذو النورين الذي تستحيي منه الملائكة. ولئن كان أغلب بني أمية بما فيهم زعيمهم في الجاهلية أبو سفيان، من الطلقاء الذين لا مطمع لهم في الخلافة، فإنهم لم يكونوا قد نسوا

(1) - الكامل لابن الأثير 2/ 220،تاريخ الطبري 2/ 449.

(2) - مسلم كتاب الفضائل (باب فضل نسب الرسول - صلى الله عليه وسلم -) .

(3) -أخرجه ابن عبد البر في"الاستيعاب"، وصححه الحاكم، وأخرجه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت