فهرس الكتاب

الصفحة 328 من 356

المبحث الأول

تعريف الشاطبي للمقاصد

أول ما يلاحظ أن تعريف الشاطبي للمقاصد غير دقيق، مما يجعل بناءه على أرض هشة، وإن أشار في سياق تعريفه إلى أن المقاصد هي [1] (ما تحفظ به مصلحة الإنسان في الدين والدنيا) ؛ كما حاول أن يميز بين المقصد التكويني والمقصد التشريعي بقوله [2] :"القصد التشريعي شيء والقصد الخلقي شيء آخر ولا ملازمة بينهما"؛ إلا أن هذه التفرقة بينهما منه، تحكم ليس له أصل؛ فالتشريع نزل لتنظيم تصرفات المخلوق البشري ابتلاء، والمخلوق البشري وجد للابتلاء، والقصد التشريعي بذلك مبني على القصد التكويني {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَانِ مِنْ تَفَاوُتٍ} الملك 3؛ نعرف ذلك من نصوص الكتاب المتناثرة في سياقاتها، من ذلك قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي} الذاريات 56، فعملية الخلق تكوين يبنى عليه التكليف بالتشريع؛ كما أن تكوين السماوات والأرض خلق وتسخيرها للإنسان بالنسبة لها تشريع فطرة، يقول تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْأَنهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} إبراهيم 32، 33. ونحن هنا لا نتحدث عن مقاصد غيبية استأثر الله بها في علم الغيب عنده، وإنما عن مقاصد من الخلق والتشريع بينها التنزيل الحكيم والسنة المطهرة وليس لنا إلا هذا المجال.

كما حاول في المسألة الخامسة تعريف المقاصد بواسطة التمييز بين المصالح والمفاسد، وفصلها من حيث تعلق الخطاب الشرعي بها، وبين أن المصالح والمفاسد المبثوثة في الدنيا إنما كانت على سبيل الابتلاء لقوله تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ

(1) الموافقات 2/ 4

(2) الموافقات 2/ 19

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت