الفصل الرابع
الشروط الذاتية للخليفة لدى الفقهاء والمتكلمين
في غيبة النصوص القطعية والمستفيضة والصحيحة غير المنسوخة، وتحت مظلة الانتقائية والتحايل الاستنباطي، وفي غبش الظن والحدس، وعلى غرار ما يفعل من يسلخ القدم لتصير على مقاس الحذاء، عمل الفقهاء والمتكلمون على تحجيم الأمة بكل قدراتها، والدولة بجميع مرافقها ومصالحها، والشريعة بكل أحكامها، إلى مستوى قابل لسيطرة رئاسة تامة عامة شاملة تسلطية استبدادية، بيد حاكم فرد هو قيِّم الدنيا والآخرة في نظرهم، إليه يرد الداخل أخبارا ومراسلات وجباية وخراجا وزكاة وثروة وعبيدا وإماء، وعنه يصدر الخارج قرارات وأوامر وتوجيهات وأعطيات وبعوثا، وأحكاما بالجلد والبتر والقطع والقتل، وهو المتحكم في الأرواح والأعراض والأموال، والضامن لوحدة البلاد وأمن الأمة وبقاء الشريعة. ثم وضعوا له صفات ينبغي أن يتحلى بها وشروطا رأوا أن تتوفر فيه، في غير حالات الاستثناء فتنة أو شدة أو اضطرارا أو تغلبا. مما جعل هذه الصفات مجرد أردية يلبسها الأمير إنْ رضي، ويستعيض عنها بالسيف إن سخط.
تختلف هذه الصفات والشروط من فقيه أو متكلم إلى آخر، ولكنها ترجع في مجملها إلى صنفين: شروط ذاتية، وشروط غير ذاتية، أو شروط من الأمير وشروط من غيره.
فالذاتية ما تعلق بالنسب والصفات الجسمية والعقلية والسلوكية والعلمية.
أما غير الذاتية فما تعلق منها بطريقة التنصيب، تولية للعهد أو تفويضا من أهل الحل والعقد، أو أنصارا وجنودا يستطيع بهم السيطرة على السلطة والغلبة عليها واغتصابها. وهذا ما أوجزه أبو يعلى الحنبلي [1] ؛ إذ بيّن أن الأئمة الشرعيين ثلاثة: رجل اختاره أهل الحل والعقد على شروط، ورجل عَهِدَ إليه بالولاية إمام قبله توفرت فيه الشروط أم لم تتوفر، ورجل غلب على أمر المسلمين ونصَّب نفسه بالقهر والسيف، ولو لم تتوفر فيه الشروط، برا كان أو فاجرا.
ولئن كانت الشروط الذاتية متقاربة لدى الفقهاء والمتكلمين، فإنها تتعدد وتتسع عند بعضهم إلى الحد الذي يجعل استجماعها في شخص واحد من قبيل المتعذر، وتتقلص عند البعض إلى حد يُعد فيه الظالم والمعتدي والغاصب والفاسق عملا ومعتقدا أهلا للإمامة انعقادا واستدامة. وما ذلك إلا لأن لهم في اعتبارها شروطا مرجعين اثنين لا غير: أحدهما النص من صاحب الشرع، ولم يرد النص في شيء من ذلك إلا في النسب، إذ قال:"الأئمة من قريش"؛ أما ما عدا ذلك فإنما أُخذ بالضرورة والحاجة الماسة لينتظم أمر الإمامة.
وهذه الشروط لدى الإمام الشافعي [2] هي: (العقل والبلوغ والحرية والإسلام، وكونه ذكرا، والعلم، بحيث يكون مفتيا من أهل الاجتهاد، والتدبير والشجاعة والصلاح في الدين، وأن يكون من قريش) .
وعند الماوردي [3] : (العدالة على شروطها الجامعة، والعلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام، وسلامة الحواس من السمع والبصر واللسان ليصح معها مباشرة ما يُدرك به، وسلامة الأعضاء من نقص يمنع من استيفاء الحركة، وسرعة النهوض، والرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح، والشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو، والنسب وهو أن يكون من قريش) .
ولدى أبي يعلى الحنبلي [4] : أن يكون على صفة من يصلح أن يكون قاضيا، من الحرية والبلوغ والعقل والبصيرة والعلم والعدالة، وأن يكون بصيرا في أمور
(1) - الأحكام السلطانية لأبي يعلى الحنبلي ص 20
(2) - الفقه الأكبر للشافعي ص 31
(3) - الأحكام السلطانية للماوردي ص 6
(4) - الأحكام السلطانية لأبي يعلى الحنبلي ص 19