وتؤول إلى إهدار النصوص والتنكر لما هو معلوم من الدين بالضرورة، كتشريعات الحدود والميراث والعلاقات الزوجية، وهو ما أشار إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"يأتي على الناس زمان يستحل فيه خمسة أشياء بخمسة أشياء، يستحلون الخمر بأسماء يسمونها بها، والسحت بالهدية والقتل بالرهبة، والزنا بالنكاح، والربا بالبيع".
ولعل من أسباب قابلية النظرية للاستغلال والتوظيف كونها ظلت عملا تأسيسيا لم تتناوله يد التشذيب والتهذيب والنقد البناء؛ والعمل التأسيسي هذه طبيعته، يحتاج دائما إلى من يواصل البحث والتطوير، ويظل دوما مادة أولية يبنى عليها تحت حاكمية الشرع كتابا وسنة، لاسيما وقد نحا الشاطبي فيما كتب منحى التفصيل والتجزئة والبسط والتحليل، فتوزعت آراؤه واجتهاداته في ثنايا الكتاب بكيفية فوضوية أحيانا، مما مهد للمغرضين سبل انتقاء ما يخدم أهدافهم، واستبعاد ما يعارض توجههم.
هذه الظروف والملابسات التي رافقت ميلاد النظرية أولا، وعملية إحيائها وتوظيفها ثانيا، هي التي حالت دون نقدها وسبرها وتشذيبها ودراستها على ضوء الكتاب والسنة وما يسمح به الحمل عليهما.
إننا مع الشاطبي في نهجه التشريعي الغائي الهادف، لا سيما والحكمة الإلهية واضحة في ذات الكائنات وفي حركتها وفي تكاملها وانسجامها مع مختلف أعضاء الأسرة الكونية {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} الأنبياء 16؛ إلا أن بعض ما احتوته النظرية، وما تلاها من تخريج وتفريع، وما بني عليها من مذاهب مختلة وتوظيف مغرض، إذا عرض على الكتاب والسنة تتجلى حوله مآخذ ينبغي الإشارة إليها والتنبيه عليها بما نوجز بعضه في المباحث التالية.