ذرية قتل بعضها وتمسح بعضها تحت بارقة السيف. ثم بعد أن نفض الغبار عن الموافقات حاليا، لم يتجاوز تناولها من قبل الفقهاء المعاصرين في أغلب ما كتبوا عنها عبارات الإعجاب والتقريظ، وكأنها البلسم الشافي لأمراض العصر الذي يشبه عصر سقوط الأندلس، في تحلله من الدين وانفراط عقد وحدته وتغلب الأجنبي على حكامه؛ لا فرق في ذلك بين الشيخ محمد عبده الذي كان من صميم سياسته مسايرة الأجنبي ريثما تستيقظ الأمة، ومحاولة التوفيق بين الحياة الأجنبية المتغلبة والتخلف الاجتماعي المحلي، ومطاولة الجهل والضعف إلى حين التغلب على أسبابهما ودواعيهما، أو الشيخ الطاهر بن عاشور [1] الذي عاش في بلد طغت عليه معالم التغريب، وأضحت الأمة فيه مهددة في صميم دينها، فلم يجد بدا من الاستنصار بالمقاصد لمطاولة الغزو الأجنبي قبل مصاولته، أو الشيخ علال الفاسي الذي جاهد من أجل استقلال وطنه أكثر من نصف قرن، وبعد أن تحقق الاستقلال، وجد نفسه في مجتمع نخبته على حافة الردة باعتناقها الفكر الماركسي قيما ومبادئ ومنهج سلوك وعمل، وناله بذلك ضروب من الأذى حتى على يد طلبته في الجامعة، حيث كان كلما جلس على كرسي التدريس وبدأ محاضرته بالبسملة ضجت القاعة بالضحك ورماه الطلبة الشيوعيون بالحصى، فلم تلن له قناة وواصل سعيه مستنصرا بمقاصد الشاطبي لتقريب الشريعة من جيل عاق يغلب عليه التمرد والإلحاد.
ثم بعد أفول نجم الشيوعية، وظهور الصحوة الإسلامية الحديثة تلقف نظرية المقاصد دعاة الفكر الشيوعي والعلماني بدعوى الحداثة والمعاصرة والتمدين، مستغلين انتساب صاحبها إلى الفقه، ومحاولين توظيفها لإخضاع الشريعة الإسلامية لمقتضيات الحياة السائبة، مما جعل نظرية المقاصد ذريعة لدعوة عارمة إلى التحلل من تعاليم الإسلام، وجسرا لانتحال مصادر منافية للدين تبنى عليها الأحكام،
(1) الشيخ محمد الطاهر بن عاشور من كبار فقهاء المالكية في تونس عاش مابين 1296 و 1393 هـ (1879 - 1973 م) له كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية.