كما أن الدكتور عدنان النحوي لم يخرج أيضا عن دائرة الحكم الفردي الذي ليس له من ضمانات الاستمرار إلا ورع الراعي والرعية [1] . فإن ضعُف أو انعدم عمَّ التظالم والفوضى، وصار الاستبداد سيد الموقف. ونحن نلتمس نظاما شورويا له من المؤسسات والنظم والضوابط ما يضمن استمراره وفعاليته وجدواه، ويؤمِّن سلامة الأمة وحقوق أفرادها في الحرية والكرامة وتدبير أمرهم، قرارا وتنفيذا ومحاسبة، غُرما وغُنما جهدا ومنفعة.
وفي الفكر السياسي الشيعي المعاصر، نلاحظ ظاهرة إيجابية حديثة، هي تحرره من قيدين، أحدهما من التراث الإمامي الخاص، هو عقيدة الانتظار التي كبّلته قرونا ومنعته من التطور. وثانيهما من تراث أهل السنة، هو قيد"خوف الفتنة"، الذي برروا به حكم الاستبداد، وأصلوا به تشريع الرضى بالفساد وعدم جواز الخروج على الظلم.
إلا أن البديل السياسي الذي صاغه الفقه الشيعي المعاصر في نظرية"ولاية الفقيه"، لم يتجاوز نطاق الحكم الفردي المطلق الذي ينوب فيه الفقيه عن الإمام المنتظر، والراد عليه كالراد على الله سبحانه وتعالى. وهو العنوان القيادي الحركي الذي يتولى إدارة المفردات وتدبير القضايا التشريعية والتقنينية للدنيا والآخرة.
ولئن حاول بعض فقهاء هذا الاتجاه، أن يثبتوا أن دور الولي الفقيه في القيادة الفردية لا يلغي دور الأمة، التي تُرك لها مجال المشاركة بإبداء الرأي والنصيحة أو بالانتخاب والاستفتاء، فإن صميم العلاقة بين الأمة والولي لم تخرج مطلقا عن دائرة الحاكم والمحكوم، وهو ما لدى فقهاء السنة أيضا على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم.
وللإنصاف، فإن الفكر الشيعي هو الوحيد الذي حاول في هذا العصر أن يؤسس نموذجا للحكم إسلاميا، وينهض بمسؤولية ذلك نهوضا جادا، إلا أنه في
(1) - المصدر السابق ص 177 وما بعدها