فهرس الكتاب

الصفحة 323 من 356

سار الشاطبي في بحثه هذا على نهج مركز من التفصيل والتدقيق والتجزئة، في بسط المقاصد وتحليلها وبيان مسالك الكشف عنها، ودرجة حجيتها قطعا وظنا. وقسم المصالح إلى ثلاث درجات أعلاها الضرورية ثم الحاجية ثم التحسينية؛ بحيث تعد التحسينية مكملة للحاجية ولا تعود عليها بالإبطال، والحاجية مكملة للضرورية ولا تعود عليها بالإبطال؛ لأن المحافظة على الأصل أولى من المحافظة على التكملة.

وهذه المقاصد عند الشاطبي ثابتة لديه بأصول فقهية قطعية، تضافرت على بيانها أدلة كثيرة، وإن كانت ظنية بالنظر إليها أفرادا فإن اجتماعها يبلغ إلى درجة القطع.

يقول الشاطبي [1] :"والمستند إليه في ذلك إما أن يكون ظنيا أو قطعيا، وكونه ظنيا باطل، مع أنه أصل من أصول الشريعة، بل هو أصل أصولها. وأصول الشريعة قطعية حسبما تبين في موضعه، فأصول أصولها أولى أن تكون قطعية. ولو جاز إثباتها بالظن لكانت الشريعة مظنونة أصلا وفرعا، وهذا باطل. فلا بد أن تكون قطعية، فأدلتها قطعية ولابد. فإذا ثبت هذا فكون هذا الأصل مستندا إلى دليل قطعي مما ينظر فيه. فلا يخلو أن يكون عقليا أو نقليا؛ فالعقلي لا موقع له هنا لأن ذلك راجع إلى تحكيم العقول في الأحكام الشرعية وهو غير صحيح. فلا بد أن يكون نقليا، والأدلة النقلية إما أن تكون نصوصا جاءت متواترة السند لا يحتمل متنها التأويل على حال أو لا، فإن لم تكن نصوصا أو كانت ولم ينقلها أهل التواتر فلا يصح استناد مثل هذا إليها لأن ما هذه صفته لا يفيد القطع، وإفادة القطع هو المطلوب. وإن كانت نصوصا لا تحتمل التأويل ومتواترة السند فهذا مفيد للقطع، إلا أنه متنازع في وجوده بين العلماء، والقائل بوجوده مقر بأنه لا يوجد في كل مسألة تفرض في الشريعة، بل يوجد في بعض المواضع دون بعض، ولم يتعين أن مسألتنا من المواضع التي جاء بها دليل قطعي".

(1) الموافقات 2/ 32

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت