فهرس الكتاب

الصفحة 306 من 356

المبادئ العامة الأزلية، وثانيتهما أن هذه المبادئ يفرع عليها العقل نظما وقواعد لتحقيق العدالة وضمان حقوق الإنسان.

هكذا ظلت فكرة القانون الطبيعي ومبادئ العدالة مجرد أوهام مضطربة ضبابية تحوم حول الهدف ولا تقتحمه، ومحاولات قاصرة عاجزة عن اكتشاف حقيقة الفطرة وطرق الاسترشاد بها.

إن الفطرة السوية كما خلقها ربها سبحانه، تعرضت عبر التاريخ الإنساني لمحاولتين فاشلتين، عالجتا أمرها بأسلوب فلسفي اغتالها وأطفأ نورها وجعلها أسيرة جزئيات الكينونة البشرية دون كلياتها، مما يفسر مظاهر الجفاف والانحراف واللبس التي تطبع ما دونه الوضعيون من أمرها.

أولى هاتين المحاولتين من الاتجاه اللبرالي الذي احتفظ ببعض قشور الديانة المسيحية كمرجع روحي باهت مبني على الأوهام والخرافة، ثم أطلق للأهواء عنانها.

والثانية من الاتجاه المادي الذي لا يفرق بين الكينونة البشرية ذات البعدين المادي والروحي، الشهودي والغيبي، الدنيوي والأخروي، وبين أي كائن مادي آخر. فأصبح معنى الفطرة لديه، آليا خاضعا لمؤثرات الكيمياء والبيولوجيا وتفاعلات الكروموزوم، مما قلص مساحة التمييز بين الإنسان والحيوان، وجمع بين الاتجاهين اللبرالي والمادي في موقف واحد يضفي على الفطرة كل معاني الانحلال والفجور واختلاط الأنساب وشذوذ العلاقات.

إن الفطرة السوية ليست إلا توجه الإنسان الطوعي نحو ربه وانحيازه التلقائي لكل مبادئ العدالة والمساواة والحرية والإخاء والرحمة والمشاركة الوجدانية وحقوق الإنسان في الحياة والتناسل والكسب والتعلم وإبداء الرأي والمشاركة في الشأن العام. كل ذلك جبل عليه الإنسان السوي، إلا أن هذه الجبلة مبنية على أساس متين من تصور إيماني يربط المرء بخالقه ويضمن له الانسجام مع سائر المخلوقات التي تشاركه العبودية في هذا الكون الفسيح. هذا التصور الإيماني ضرورة فطرية مستقرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت