أما الرومان فقد رأوا في القانون الطبيعي وقواعد العدالة، القانون الأمثل الذي يتكون في نظرهم من مجموعة قواعد أبدية سرمدية موجودة في الطبيعة، وعملوا بهديه على تهذيب قوانينهم الوضعية، كالقانون المدني وقانون الشعوب.
ثم انتقلت الفكرة نفسها في القرن الرابع الميلادي إلى الفكر الكنسي الذي انتحله على أساس أنه يصل إلى البشر عن طريق الإلهام لا بواسطة العقل. ثم في القرن الثالث عشر الميلادي ميزت الكنيسة بين ما يعد لديها قانونا إلهيا، وبين القانون الطبيعي الذي صار في نظرها غاية ما يدركه العقل من القانون الإلهي، وبين القانون البشري الذي يستلهم من القانون الطبيعي. إلا أنه منذ القرن السابع عشر، بدأت أوربا في استكمال تكوينها الحديث، بوضع الدساتير والقواعد على أساس العقل والمصلحة، وكان لابد من تعزيز هذه النظم بمرجعية غيبية، تجعلها أكثر احتراما وإلزاما، فاتخذت القانون الطبيعي مصدرا ومرجعا.
على هذا الأساس نشأ المذهب الفردي، وأعلنت مبادئه في ثورة الاستقلال الأمريكية، وفي وثائق حقوق الإنسان التي هي ثمرة الثورة الفرنسية، كما ناصره أغلب شراح القانون الفرنسي في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي.
إلا أن فكرة القانون الطبيعي أخذت تفقد بريقها بنشوء المذهب التاريخي على أساس أن القانون وليد المجتمع، يساير تطوره مكانا وزمانا وأحوالا، وأن مهمة المشرع منحصرة فقط في رصد هذا التطور وتسجيله وتوثيق القوانين الناشئة عنه، دون أن يملك توجيهها أو تعديلها. فاضطر الطبيعيون إلى مراجعة آرائهم والموافقة على صواب النهج التاريخي إذا ما بنيت القوانين على مبادئ تستلهم من الطبيعة وتكون مثلا أعلى يهتدي به العقل البشري.
وفي أوائل القرن العشرين، عاد فقهاء القوانين الوضعية من جديد، إلى فكرة القانون الطبيعي الأصلية، ولكنهم عرفوه بأنه مجرد مبادئ محصورة العدد، مبنية على قواعد العدالة، وتعد مقياسا لصلاحية التشريع أو عدم صلاحيته. وبذلك أصبحت فكرة القانون الطبيعي تدل على معنيين، أولاهما تعني مجموعة محدودة من