أن كانت المقاصد بابا ثانويا من أبواب علم أصول الفقه، دعوا إلى اتخاذها علما مستقلا، وتحريرها من الكتاب والسنة، وجعلها حاكما على الواقع. ثم انتقلوا إلى مرحلة موغلة في الانحراف بدعوتهم إلى قلب المعادلة وجعل الواقع حاكما على الشريعة والمقاصد الشرعية معًا.
وقد غاب عن جميع هؤلاء أن نقطة البداية في طريق بعث إسلامي جديد هي توفير المناخ السياسي الصالح؛ إذ الفقه الشرعي ـ والسياسي منه خاصة ـ لا ينمو نموًا طبيعيا في ظل فساد الحكام وإرهابهم وظلمهم وتسلطهم، ولا ينضج بمجرد الجهود الفردية كتابة في القراطيس، ولا يغير واقع الفساد بمعارك الوعظ والإرشاد في المساجد، ولا بإصدار الفتاوى للمستفتين من الأمراء والمأمورين، وإنما بإصلاح أول عروة انتقضت من أمر الأمة، وهى عروة الحكم، كما أخبر بذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، وما لم تَقُمْ دولة الإسلام الحق، التي تكفل حرية الاجتهاد والفكر والرأي، وتوفر ظروف التفقه والتفقيه، وتنظم جهود العاملين في حقل الشريعة، يحذوها في ذلك النصيحة لله ولدينه وكتابه ورسوله والمؤمنين، فلن تكون النتائج إلا ضياعًا تدريجيا للدين والأرض والأمة. كما نشاهده اليوم في بلاد المسلمين قاطبة، وكما وقع في الأندلس التي لم تنقذها محاولات ابن حزم المتوترة، ولا مقاصد الشاطبي الملاينة، مما أوقعها فيه بنو الأحمر وملوك الطوائف، وبطانتهم من الغلمان والجواري والمخنثين وفسقة الأدباء والمتأدبين.
لذا، فالطريق الطبيعي لإحياء الأمة وإعادتها إلى قوتها ووحدتها ورسالتها، يبدأ من توضيح حقيقة شرع الله في نظام الحكم، ومبتدعات نظم الاستبداد؛ ثم بذل الجهد لإقامة أمر الإسلام السياسي ودولته الحقة، بنهوض الطائفة التي لا تزال ظاهرة على الحق لا يضرها من خالفها إلى أن يأتي أمر الله.
العائق الحادي عشر:
جهل بعض المفكرين المعاصرين المنتمين للتيار الإسلامي وزعامته، المنبهرين بجزئيات الثقافة الغربية، وفسيفساء النظم السياسية الديموقراطية، وقصورهم عن