وعلى غير نهجهما؛ فتألب عليه العامة والعلماء والحكام، مما كشف له حقيقة مروعة هي أن الفساد قد أصبح نظاما سياسيا وثقافيا واجتماعيا، قائمًا ومتماسكًا ومتحكمًا ومُصّرًا على مسيرته الضالة مدافعا عنها؛ ورأى بأم عينه كيف يرتد إلى النصرانية بعض أبناء المسلمين من العامة والأمراء، وكيف سقطت معظم بلاد المسلمين في الأندلس بيد العدو، وكيف يستجير الحكام المسلمون من بعضهم بالأجنبي، وكيف انتصب العلماء يدافعون عن هذا الوضع، متألبين على الشاطبي. كلما أصدر فتوى لصالح الأمة والدين عارضوها بفتوى مناقضة. فدفعه اليأس إلى تغيير منهجه في الإصلاح بأن قنع بمحاولة ربط الأمة بمقاصد الشريعة، بعد أن خلعت ربقة الكتاب والسنة، وبأهداف الدين، بعد أن أضاعت ركائز بنائه المتين.
وهكذا فشلت أهم ثلاث مدارس فقهية صادقة، مدرسة ابن تيمية الحنبلية، ومدرسة ابن حزم الظاهرية، ومدرسة الشاطبي المالكية، في التوبة بالأمة إلى المسار السليم والأوبة بها إلى المنهج القويم.
ثم ظهر بعض فقهاء المسلمين في هذا العصر، من موقع الضعف والاستكانة ومركب النقص إزاء حضارة الغرب المتغلب، والعجز عن مواجهة موجات الردة العارمة، كما كان الشأن تمامًا في الأندلس؛ فعمدوا إلى إحياء ما كتبه الشاطبي حول فقه المقاصد، ذات المفهوم الغائم المضطرب الذي لا يعتمد إلا على العقول البشرية الناقصة والأهواء الآنية المتقلبة، ناسين أن أعلى مقصد للشرع هو في قوله تعالى صريحا واضحًا: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي} الذاريات 56. ومغفلين أن المقاصد المتفق عليها ووجهها الثاني الذي هو المصالح محدودة جدًا، وما عداها مختلف فيه لأنها أقرب إلى الأوهام والظنون: {وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا} النجم 28. متخذين من شعار تطوير الفقه الإسلامي غطاء لأسلمة مفاهيم الغرب، و مجاملة حكامه، والتزلف إليهم على حساب مبادئ الإسلام ومناهجه ونظمه. وأوغلوا في مسيرتهم هذه إلى حد تحريف ما ذهب إليه الشاطبي، الذي دعا إلى حاكمية المقاصد الشرعية على الواقع بجانب حاكمية الكتاب والسنة. وبعد