فهرس الكتاب

الصفحة 279 من 356

فضممت ثيابي من ثيابه مخافة أن يملأني من دمه. فسكت أبو جعفر ساعة ثم قال:"قُوما عنّي".

وقد أدى هذا الوضع إلى بروز سلوكية هروبية لدى فقهاء الأحكام السلطانية ـ الفقه السياسي ـ ومفكريها؛ مما فتح أبواب البلاد مشرعة للغزو الفكري، سواء في العصور الأولى عندما اطلع المسلمون على تراث اليونان فعكفوا عليه بانبهار صرفهم عن النقد والسبر، وعن مواطن انحرافه وجذور فساده؛ أو في العصر الحديث حيث وَقَرَ في أذهان كثير من المثقفين المسلمين، وَهْمُ وجود فراغ مشين في الفقه السياسي الإسلامي، لا يعالج إلا باستيراد أساليب الديموقراطية الغربية، وفقهياتها الدستورية، ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية. متهاونين بخطورة جذورها الوثنية التي لا تنفصم عنها؛ منذ عهد الفراعنة في مصر، فالسومريين في العراق، فاليونانيين في أثينا، وصولا إلى النظم الحزبية البرلمانية الديموقراطية في عصرنا هذا.

وإذا كان قدماء المصريين يعتقدون أن الحاكم مقدس لأنه إله أو ابن لإله، وكان السومريون يعتقدون أن الكون يسيره مجمع الآلهة في السماء، وكل إله يختار وكيلا عنه يحكم بقعة من الأرض، وأن حروب"الوكلاء"، الملوك، فيما بينهم انعكاس لحروب آلهتهم في السماء؛ فإن اليونانيين طوروا هذه الفكرة، ووسعوا دائرة القداسة لتشمل نخبة الأقوياء، اقتصاديا وعسكريا، وسموها طبقة الأحرار. وما سواهم عبيد للسخرة في البيوت والزراعة وقضاء الشهوات. ثم ابتدعوا لطبقة وكلاء الآلهة الجدد ـ الأحرارـ، نظاما جماعيا يحكمون العبيد من خلاله، فكان تجمعهم الديموقراطي صورة لتجمع الآلهة في السماء وتشبهًا به، ثم تطور هذا التقليد إلى النظام الحزبي البرلماني في الغرب، وبدلا من أن يبقى وكلاء الآلهة ملوكا يتصارعون بالسيوف تبعا لصراع آلهتهم ـ كما يزعمون ـ، أصبحوا أحزابا تتصارع تحت قبة البرلمان وتتدوال على السلطة. واستطاع بذلك الاستعمار الغربي الحديث أن يجند طبقة من أنصاف المتعلمين، ومضبوعي الثقافة الغربية وتلامذة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت