فهرس الكتاب

الصفحة 278 من 356

واستعمال التعابير الملتوية المتناقضة التي يفهم منها الشيء ونقيضه. ومن حاول التمرد على هذا الوضع وجد السيف والنطع بانتظاره. ولعل في الأمثلة التالية نموذجا لهذا الوضع:

ـ قام رجل إلى هارون الرشيد، وهو يخطب بمكة فقال: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} ؛ فأمر هارون الرشيد بضربه مائة جلدة. فكان الرجل يئّن الليالي الطوال من الألم، وهو يقول:"الموت ... الموت ...".

ـ جلس الوليد بن عبد الملك على المنبر يوم الجمعة حتى اصفرت الشمس؛ فقام إليه رجل فقال:"يا أمير المؤمنين إن الوقت لا ينتظرك، وإن الرب لا يعذرك"فقال الوليد:"صدقت ومن قال مقالتك فلا ينبغي له أن يقوم مقامك، من ها هنا من أقرب الحراس يقوم إليه فيقتله؟".

ـ لقي أبو جعفر المنصور سفيان الثوري في الطواف، فضرب أبو جعفر بيده على عاتق سفيان، وقال له:"أتعرفني؟"، قال سفيان:"لا، ولكنك قبضت عليّ قبضة جبار"؛ قال أبو جعفر:"عظني يا سفيان"، قال سفيان:"وماذا عملت فيما علمت فأعظك فيما جهلت؟"، فقال أبو جعفر:"فما يمنعك أن تأتينا؟ قال سفيان:"إن الله نهى عنكم فقال: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ} ـ هود 113 ـ، فالتفت أبو جعفر إلى أصحابه فقال:"ألقينا الحَبّ ـ المال ـ إلى العلماء فلقطوا، إلا ما كان من سفيان فإنه أعيانا فرارًا".

ـ قال مالك بن أنس: بعث أبو جعفر إليّ وإلى ابن طاووس فأتيناه فدخلنا، فإذا هو جالس في فرش قد نضدت، وبين يديه أنطاع قد بسطت، وجلاوزة بأيديهم السيوف يضربون بها الأعناق، فأمرنا بالجلوس فجلسنا، فأطرق علينا طويلا، ثم رفع رأسه والتفت إلى طاووس فقال له:"حدثني عن أبيك"، قال طاووس: سمعت أبي يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه اللّه في حكمه فأدخل عليه الجور في عدله". قال مالك:""

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت