عدم التمييز بين كون الشورى قرارا للأمة تصدره ثم تسهم في تنفيذه تحت إشراف قيادتها التي تُعدّ جهازا تنفيذيا، وبين كونها قرارا للحاكم يستشير فيه الخاصة أو العامة، ويستوضح رأيهم حوله. ولعل مردّ ذلك الى الخلط بين مفهوم الشورى الفردية المندوبة لكل شخص في أموره الخاصة، وبين مفهومها كنظام حكم للجماعة المسلمة. وأدى هذا الغموض إلى جدل طويل، نشب منذ سقوط الخلافة الراشدة وقيام الملوكية الأموية العاضة، ومازال مستمرًا إلى الآن لدى بعض الفقهاء حول إلزامية الشورى أو عدم إلزاميتها.
والحال أن الشورى إن كانت قرارًا للأمة تصدره، وأمرًا على الحاكم أن ينفذه، فهي ملزمة بداهة، أما إن كانت من أمر الحاكم كما يريد وعاظ السلاطين"يتصدق"بها على الأمة أنى شاء وكيف شاء، فهي غير ملزمة بداهة. والجدل حول الموضوع ثرثرة لا غناء فيها.
العائق التاسع:
عدم التمييز عند مراجعة التراث الإسلامي السياسي، بين تراث مجتمع حرّ في العهدين النبوي والراشدي، يبدي فيه كل مسلم ما يضمره من الرأي والفهم والنصح والتوجيه والنقد دون خوف أو رهبة أو خشية إلا من الله تعالى، ودون أن يتعرض ولو كان مخطئًا، لأي مساءلة أو عقوبة أو لوم إلا عن تقصير في إبداء رأي أو نصيحة بخل بها، أو شهادة كتمها، أو منكر لم ينكره، أو معروف لم يرشد إليه؛ وبين مجتمع قام بعد الخلافة الراشدة، واستمر إلى الآن، مجتمع يتحكم فيه الجبابرة، وتصول فيه وتجول الأجهزة الأمنية العلنية والسرية، الحليقة والملتحية، المجلببة و"المبنطلة".
هذا الوضع أساء كثيرًا إلى أبحاث الشورى، وعرقل تطور الاجتهاد فيها، وأصبح على كل من يريد تناولها بالكتابة أن يراعي الطبيعة السياسية للبلد الذي يعيش فيه، والنظام الذي يظله، والدولة التي تنشر فيها الدراسة أو تطبع. واضطر بذلك الباحثون والفقهاء إلى الملاينة والمسايرة وغض الطرف عن بعض المفاهيم،