ولتنفيذ قراراتها، ولأن الأمة عندما تطيعه في هذه الأمور كلها إنما تطيع في الحقيقة نفسها، وتنفذ إرادتها؛ فهي التي اختارت الإسلام دينًا، وارتضت أحكامه، وأمرت بتطبيق شريعته، وهى التي اتخذت قراراتها الدنيوية وأمرت بتنفيذها، وهي التي صعدت بالاختيار الحر إمامها ورجال السلطة الإدارية معه، ليقوموا بخدمتها وتنفيذ إرادتها، والإمام بذلك مع مجموع رجال السلطة والإدارة مجرد خدام لها تحت الأمر والطاعة.
في هذا الإطار الواضح الصلب تقع أحاديث النبي الخاصة بالطاعة، وهو ما أشار إليه علي ـ كرم الله وجهه ـ:"حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، ويؤدي الأمانة، فإن فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا".
ولا عبرة بكون الإمام المنتخب بإرادة الأمة أبيض أو أسود كأن رأسه زبيبة؛ لأن الأمة هي التي اختارته كذلك، وعليها طاعته، وهو على ما اختارته عليه من أوصاف، ولا عبرة بكونه قد يجلد ظهر بعض أفراد الأمة؛ لأن الجلد لا يكون إلا إقامة لحدود الله في جرائم معينة كالزنا والسكر والقذف، وطاعته في إقامة الحدود طاعة لله. أما فيما عدا إقامة الحدود فليس له أن يجلد أحدًا ...
وقد شغب على هذه المعاني الأصيلة في الكتاب والسنة بعض وعاظ السلاطين بتأويلات خاطئة مغرضة لأحاديث نبوية صحيحة، منها:
ـ ما أخرجه مسلم عن عرفجة قال"سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إنه سيكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائنا من كان"وهذا الحديث آية في السمو، وهو حجة لنا في الموضوع، وحجة على وعاظ السلاطين. والفساد ـ بنص الحديث ـ إذا استشرى وبلغ حدًا يهدد وحدة الجماعة يجب استئصاله كائنا من كان مصدره.
ـ ومنها قول الرسول - صلى الله عليه وسلم:"اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا، وعليكم ما حملتم"ـ مسلم ـ.