ـ وثانيهما: أن ملوك العباسيين كانوا حديثي عهد بعقيدة أهل السنة والجماعة، بعد أن تحرروا من هيمنة المعتزلة التي دامت ما بين عهدي المأمون والمتوكل، كما كانوا يواجهون تحديا كبيرًا بقيام الدولة الفاطمية الشيعية، مما جعل فقهاء عصرهم ـ أبا يعلى ومن على شاكلته ـ يحاولون توطيد حكمهم وتثبيتهم على عقيدة أهل السنة والجماعة؛ وليس من سبيل إلى ذلك إلا بأن يسلموا لهم بما ليس لهم من حقوق ويرتبوا على كاهل الرعية ما ليس عليها أن تتحمله.
وهذا ما وقعت فيه المسيحية في أول عهدها، عندما عجزت عن تغيير الأنظمة السياسية الوثنية القائمة آنئذ، فعملت على التقرب إليها وخدمتها، والدعوة إلى طاعتها، حتى إن بولس في رسالته لأهل (رومية) في الإصحاح الثالث عشر يقول:"لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة، لأنه ليس سلطان إلا من الله، والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله ... أفتريد أن لا تخاف السلطان؟ افعل الصلاح فيكون لك منه مدح، لأنه خادم للإصلاح ... لكن إن فعلت الشر فخف لأنه لا يحمل السيف عبثا، إذ هو خادم الله للإصلاح، منتقم للغضب".
بل إن أقوى البابوات في القرون الوسطى ـ جريجوري ـ يدعو إلى أن يطيع الناس الحاكم ولو كان سيئا، ويحتم عليهم الامتناع عن محاولة نقد الحكام أو مناقشتهم الحساب أو ذكرهم بسوء، لأن ذلك يغضب الله وينبغي التوبة منه، وهو ما ذهب إليه أبو يعلى الحنبلي في كتابه"الأحكام السلطانية".
إن الطاعة ـ بنص الأحاديث النبوية المتعددة إذا ضمت إلى بعضها وكمل بعضها بعضا ـ واجبة على الأمة لإمامها الذي اختارته بإرادتها الحرة، وتوفرت فيه شروط التقوى والكفاية العلمية والبدنية والسلوكية، وقادهم بكتاب الله. فإن اختارت الأمة إمامها وجب عليها طاعته في أمور ثلاثة، أولها: الأحكام الشرعية، لأن طاعته فيها من طاعة الله ورسوله، وثانيها: تنفيذ القرارات التي أصدرتها الأمة بواسطة الشورى، وثالثها: الإجراءات الإدارية والتنظيمية المتعلقة بتطبيق الأحكام الشرعية وقرارات الأمة، لأن الطاعة في هذه الإجراءات ضرورية لحفظ كيان الأمة