عدم التثبت في فهم الأحاديث النبوية، الواردة حول موضوع الطاعة، وقد صحّ أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - رغّب في طاعة الأمراء لما أخرجه البخاري في صحيحه:"من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني، وإنما الإمام جُنّةُُ يُقاتل من ورائه ويتقى به".
إلا أن الأمير ـ أمير الحرب، أو أمير البعثات والسرايا ـ كان يُعيّنُ مباشرة من قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو المقصود بالحديث.
أما الولاية العامة ـ الإمامة أو الخلافة ـ التي قيسَتْ على إمارة الحرب وإمامة الصلاة، فهي بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أمر المسلمين، تختارها الأمة بملء إرادتها، وكامل حريتها، ولا تفرض عليها فرضا. وهذا ما مهّدَ له الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأرشد إليه بتركه تعيين خليفة للمسلمين بعد وفاته، وبإشارته إلى أن الأمر مفوض لاختيار الأمة في عدة أحاديث، منها قوله لعائشة الصديقة ـ رضي الله عنها ـ:"يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر"، ومنها ما أجاب به عندما قيل:"يا رسول الله، من نؤمر بعدك؟"، فقال:"إن تُؤَمّروا أبا بكر تجدوه أمينا زاهدًا في الدنيا راغبا في الآخرة، وإن تؤمروا عمر تجدوه قويا أمينا، لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا عليا ـ ولا أراكم فاعلين ـ تجدوه هاديا مهديا، يأخذ بكم الطريق المستقيم"، وبحرصه - صلى الله عليه وسلم - على أن يبقى الاستخلاف بعده قضية بشرية ومن أمر المسلمين عامة، في الحديث الحسن الذي أخرجه كل من البغوي في مصابيح السنة والترمذي في مناقب حذيفة، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا إسحاق بن عيسى عن شريك عن أبي اليقظان عن زادان، عن حذيفة قال: قالوا:"يا رسول الله لو استخلفت؟"، قال:"إن أستخلف عليكم فعصيتموه عذبتم، ولكن ما حدثكم حذيفة فصدقوه، وما أقرأكم عبد الله فاقرؤوه"؛ وبتشديده - صلى الله عليه وسلم - الإنكار على مَنْ أَمّ قومًا وهم له كارهون بقوله - صلى الله عليه وسلم:
ـ"ثلاثة لا تتجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون".