إن هذا التصور المبتدع لم يرد به كتاب، ولم تتحدث به سنة؛ كما أن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم تلامذته وأمناء وحيه، وأعرف بلغة القرآن، عالجوا مشاكلهم السياسية بُعيد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ ولكنّ أحدا منهم لم يتورط في هذا التصور، لا رواية لأثر، ولا احتجاجا في مواطن كانوا أحوج فيها إلى الدليل والبرهان والإقناع، ولا استشهادا بهذه الآية الكريمة من أجل تنصيب مرشح للإمارة أو استبعاد آخر منها. ويوم السقيفة خير شاهد على ذلك، فقد كانوا يطلقون على القائد المرتقب للأمة لفظ"أمير"ـ منا أمير ومنكم أمير كما اقترح الأنصار ـ فلم يرد عليهم أبو بكر وعمر بأي نص قرآني دحضا لرأي، أو دعما لغيره؛ ثم ينفض اجتماع السقيفة عن اختيار أبي بكر لتسيير شؤون المسلمين، دون أن يتفقوا حتى على لقب يطلقونه على أميرهم الجديد، فيخاطبه بعض عامة المسلمين:"يا خليفة الله"، ولكن أبا بكر ينتفض؛ لما في ذلك من خلل عقدي، ويرد عليه ـ كما ذكر السيوطي في كتابه"تاريخ الخلفاء"ـ:"أنا خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا راض به"، أوكما ذكر ابن خلدون في"المقدمة":"لست خليفة الله ولكنني خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".
ومع ذلك وبعده يأتي عمر بن الخطاب، فيبين للناس أن الأصل في الاختيار هو الشورى العامة، وأن الأمر للمسلمين كافة حسب اختيارهم، وبملء إرادتهم وحريتهم، وأن ما وقع في السقيفة مجرد استثناء من القاعدة، اضطر إليه المسلمون دفعا للفتن، وجمعا للشمل، في ظروف بالغة الدقة والخطورة قائلا:"إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها، فمن عاد لمثلها فاقتلوه، فأيما رجل بايع رجلا من غير مشورة فإنها تغرّة أن يقتلا".
ثم يتحول المسلمون في عهد عمر ـ رضي الله عنه ـ عن لقب"خليفة"، بعدما صاروا يدعون عمر"خليفةَ خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"، مفضلين لقب"أمير المؤمنين"، وكأنهم استثقلوا اللقب الأول"خليفة"، لما فيه من إيحاءات تتوقف إزاءها الفطرة الإيمانية، ونظرا لطول إضافته التي تتزايد فيما بعد إلى أن تصير إلى