فهرس الكتاب

الصفحة 231 من 356

والسحر والشيطنة لاستغفال الخلق، واستغلالهم وابتزازهم وسرقتهم باسم السر الموروث أو النور الإلهي المتجلي، أو الفيض الرباني، أو النيابة عن الله في حل مشاكلهم المالية والنفسية والمرضية، أو قراءة مستقبلهم العاطفي والمالي والاجتماعي؛ مما أدى إلى التفكك والتواكل والجهل والركون إلى الدعة، وفتح على الأمة أبوابا للذلة والخنوع وتغلب الأجنبي.

وفي المجال السياسي: كان هذا التصور هو الإسفين الذي دُقّ في قلب النظام السياسي الإسلامي المبني على الشورى؛ ذلك أن هؤلاء الفقهاء استبعدوا القاعدة الطبيعية القرآنية لنظام الحكم في الإسلام، وهي قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} الشورى 38، وجعلوا مكانها قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} البقرة 30، فحرفوا بذلك الكلم عن مواضعه، وأحلوا محل نظام العدل والمساواة الربانيين نظما استبدادية جبرية، تتعارض تعارضا مطلقا مع مقاصد الشريعة وأهدافها، ومصالح العباد ومعاشهم؛ نظما ضالة انتحل فيها الحكام صفة من صفات الله تعالى، بالزعم أنهم خلفاء له، أو ظل له، أو مفوضون في الهيمنة على خلقه؛ فصادروا الحريات، واحتكروا الثروات وفرضوا الإتاوات، ومنعوا الناس من حقهم في تقرير مصيرهم، واختيار نظم حياتهم ومناهج اجتماعهم، بما يكفل المصالح ويضمن الكرامة ويحفظ البلاد والعباد ...

إن هذا التصور المبتدع لمفهوم الخلافة البشرية في الأرض قد مهد السبيل لظهور كهنوتية سلطوية، وكهنوتية صوفية، وكهنوتية عُلمائية؛ اقتسموا الأدوار لاستغفال العامة واستغلالهم وركوب ظهورهم والتحكم في أمرهم، وبذلك فقدت الأمة القدرة على النهوض والمدافعة؛ فكانت الكارثة التي رمت بالشعوب الإسلامية تحت سنابك الغزاة الصهاينة والصليبيين غربا، و الشيوعيين الملاحدة شرقا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت