إن أساس هذا الانحراف ضارب بجذوره في أعماق المسيرة الإنسانية، منذ كان طغاة الحكام يعدون أنفسهم آلهة كما في عهد الفراعنة، أو وكلاء للآلهة كما كان حال السومريين، أو أحرارا مقدسين من حقهم استعباد غيرهم كما كان لدى اليونانيين، إلى أن تسربت هذه الفكرة الضالة إلى عقيدة بعض المسلمين تحت مظلة خلافة الإنسان في الأرض، ثم بلغت ذروتها عند بعض الصوفية الذين أوغلوا بها إلى حد ادعاء الحلول وسقوط التكليف، بسبب ما زعموه بلوغا للكمال، ثم إلى أن تناولتها الفلسفة الوجودية المعاصرة وزعيمها"جان بول سارتر"، في اعتبار الإنسان دائم السعي ليكون إلها. في حين أن العقيدة الإسلامية بعيدة كل البعد عن هذه الأضاليل، وليس لديها أي جنوح نحو إخراج الإنسان عن إطاره البشري في أي اتجاه، سواء في اتجاه تحوله إلى إله، أو ملاك، أو جن، أو حيوان ...
إن الإنسان في الإسلام ينبغي أن يبقى إنسانا، يقوم وينام، ويصوم ويفطر، ويتزوج ويطلق، ويخطئ ويصيب، ويذنب ويتوب، ويتذكر وينسى، ويتعب ويستريح ...
إن الإسلام ليس فيه مثال مطلق يخرج الإنسان عن فطرته وطبيعته، والمثال المطلق الوحيد لديه هو التطبيق الممكن لتعاليمه، في حدود طاقة المرء العقلية والجسدية والتصرفية. والسعي اليومي لبلوغ هذا"المثال الممكن"هو الذي يعدّ كمالا.
وبهذا تسفه ادعاءات بعض الملاحدة، الذين لا تسمح لهم الظروف بمهاجمة الإسلام علانية، فيحاولون الالتفاف على هدفهم الخبيث بادعاءات مغرضة، وزعم متهافت بأن الإسلام دين مثالي، وأن ضغوط الواقع وقساوته تجعل تطبيقه متعذرا.
وفي المجال الاجتماعي: ظهر لهذا التصور آثار خطيرة على التماسك الاجتماعي والعلاقات الإنسانية النبيلة؛ فتناحرت الفرق وتقاتلت المذاهب وسُفكت الدماء بين الإخوة في الدين والأشقاء وأبناء العمومة الواحدة؛ وانتشرت الشعوذة والخرافة