أماكن يمنعه الحضور في غيرها، واحتمالا لوجود خلفاء آخرين له في كواكب وأكوان أخرى مادام له خليفة في الأرض، أو لدى أمم غير بشرية أخرى كالجن والحيوان، مادام له خليفة لدى أمة البشر، وزعما بأن تقدس ذات الله سبحانه وتعالى تمنعه من تسيير أمر الإنسان مباشرة كما زعم الألوسي، وبأن خاصة من البشر دون عامتهم لهم القابلية واللياقة لقبول"الفيض بالذات"من الله تعالى، كما ذهب إلى ذلك أبو السعود متأثرا بآراء الفلاسفة في نظريتهم حول"الفيض".
وقد نشأ عن هذه التصورات غير السليمة تفكك في المجتمع الإسلامي عبر التاريخ، ونشوء فرق ومذاهب وطرق صوفية مغرقة في الضلال، قالت بالحلول، والتناسخ، والاتحاد، والانتقال. وكانت نقطة انطلاقها دائما عقيدة التجسيد، تجسيد الله في الإنسان، كما يعتقد النصارى في المسيح، وكما تحوم حوله شروح بعض المفسرين وتأويلاتهم، و ما احتجوا به من آثار وأقوال لا تصح.
ومن هذه الفرق:"الحائطية"، نسبة إلى مؤسسها أحمد بن حائط، و"الحدثية"أصحاب فضل بن الحدثي؛ وكانا تلميذين للنظام، أضافا إلى مذهبه فكرة التناسخ وإثبات حكم من الأحكام الإلهية للمسيح عليه السلام، موافقة للنصارى على اعتقادهم أن المسيح هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة، زاعمين أنه هو المقصود بقوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} الفجر 22ـ، وقوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَاتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ} البقرة 210، وأنه هو المراد بما نُسب إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قول:"إن الله خلق آدم على صورته".
كما أن من غلاة الصوفية ابن الفارض القائل:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا ... نحن روحان حللنا بدنا
وما بلغه محمود محمد طه السوداني الذي أعدمه النميري، ليس إلا امتدادا طبيعيا لهذا التفسير؛ ذلك أنه إذا كانت نقطة البداية اعتبار آدم خليفة لله، فإن نقطة النهاية التي يؤدي إليها هذا التصور، هي الادعاء بأن الإنسان الكامل هو الله كما زعم محمود محمد طه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.