ثمّ بلغت زاوية الخطأ في تفسير هذه الآية مداها لدى القرطبي (ـ 681 هـ) الذي استعرض في كتابه"الجامع لأحكام القرآن"مختلف التأويلات المتداولة في الموضوع، ولكنّه تبنى في النهاية نظرية"الخلافة عن الله"بقوله [1] :
"والمعنيّ بالخلافة هنا، في قول ابن مسعود وابن عباس وجميع أهل التأويل، آدم عليه السلام، وهو خليفة الله في إمضاء أحكامه وأوامره ...".
ثم لم يكتف بهذا القدر، بل وظف هذا التأويل أسوأ توظيف، بأن جعله قاعدة لنظام حكم استبدادي كهنوتي نُسب ظلما وعدوانا إلى الإسلام، فقال [2] :"هذه الآية ـ وكان حريّا به أن يقول: هذا التأويل الفاسد للآية ـ أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به الأحكام، ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأئمة إلا ما رُوي عن الأصم ...".
إن القرطبي ـ على فضله ـ تورط في هذا التأويل الذي لا أصل له؛ وليس هذا بمستغرب منه في تفسيره، فقد دأب على مجاراة عصره في النقل عن الإسرائيليات والاستشهاد بها، وعدم الدقة في المعلومات الكونية؛ من ذلك ما ذكره في قوله تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} الحاقة 17، من أن [3] "فوق السماء الدنيا ثمانية أوعال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء وسماء، وفوق ظهورهم العرش".
ولقد تمكن الظالمون عبر التاريخ الإسلامي بتأويلات القرطبي لهذه الآية، من أقوى سلاح، به استعبدوا الخلق، وأذلوا الرعية واستباحوا الأعراض، وسبوا الحرائر، وقطعوا الرؤوس ...
ثم تتابع المفسرون على الوتيرة نفسها، يحاولون تكريس هذا المعنى وتبريره، ... بعضهم لأهداف سياسية، وبعضهم بحسن نية تقليدا ومتابعة؛ مثل علاء الدين
(2) - نفس المصدر 1/ 264
(3) - نفس المصدر 18/ 267