واختلطت الأنساب وابتعدت الفروع عن الأصول أجيالا وأزمانا، وكثر الادعاء والأدعياء؛ فارتبك الاجتهاد الفقهي في أمر اشتراط القرشية وذهب مذاهب شتى.
مذهب من يرى عدم اشتراطها في حال تغلب الجورة، أو عدم وجود مستجمع للشروط من ولد إسماعيل، كما ذهب إليه النووي في"روضة الطالبين".
ومذهب ابن خلدون في"المقدمة"، إذ حاول تأويل أحاديث القرشية بالتوفيق بينها وبين نظرية العصبية؛ فرأى أن العصبية هي مقصد الشارع من القرشية في عهد الإسلام الأول، لأن قريشا كانت لها الغلبة بين العرب والقدرة على الاستئثار بالسلطة والاحتفاظ بها، وأن كل من توفرت له العصبية والغلبة بقبيلته أو أنصاره يحق له التولي ويستحق الإمامة. ولذلك ـ في نظره ـ قال عمر بن الخطاب: (لو كان سالم مولى حذيفة حيا لوليته) أو (لما دخلتني فيه الظنة) ، لأن ولاء سالم لقريش يوفر له شرط العصبية ولو لم تتوفر فيه صراحة النسب [1] .
ومذهب من يرى عدم اشتراط القرشية مطلقا، من غير أن يرد حديث (الأئمة من قريش) صراحة، مثل ما هو حال متأخري الحنفية وعلى رأسهم نجم الدين الطرسوسي في"تحفة الترك" [2] .
ومذهب من رد الحديث على صحته، بدليل المصلحة المرسلة، كما هو حال محمود شاكر في"الخلافة والإمارة". ودليل المصلحة المرسلة لا تُرد به الأحاديث الصحيحة.
إلا أن إعادة دراسة الحديث ونقده سندا ومتنا، تكشف أن الظنية تحيط به، وتمسك بتلابيبه من كل جانب، وتأخذ به من درجة الثبوت والصحة إلى درجة النسخ على أقل تقدير؛ من ذلك:
ـ ظنية كونه من الآحاد، وعدم بلوغه مرتبة التواتر.
(1) - مقدمة ابن خلدون ص 194
(2) - تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك لإبراهيم الطرسوسي ص 115