أما عبد الرحمن الإيجي في"المواقف" [1] فيشترط الاجتهاد في الأصول والفروع، والرأي ليقوم بأمور الملك، والشجاعة ليقوى على الذب عن الحوزة، والعدل لئلا يجور، والعقل والبلوغ والذكورة والحرية، والنسب القرشي.
والتفتازاني [2] يشترط الظهور ـ أي عدم الخفاء ـ، والقرشية، وأن يكون من أهل الإمامة المطلقة الكاملة، أي مسلما حرا ذكرا بالغا سائسا، قادرا بعلمه وعدله وكفايته وشجاعته على تنفيذ الأحكام، ولا ينعزل بالفسق والجور.
وابن خلدون في"المقدمة" [3] يشترط العلم والعدالة والكفاية وسلامة الحواس والأعضاء مما يؤثر في الرأي والعمل، والنسب القرشي. إلا أنه وجه معنى"النسب"إلى مفهوم توفر العصبية والكفاية للغلبة، وهو المقصد الشرعي من النسب في نظره.
وفي"حاشية رد المحتار على الدر المختار"لابن عابدين [4] ، يُشترط الإسلام والحرية والعقل والبلوغ والذكورة، والقدرة على تنفيذ الأحكام وجر الجيوش، والنسب القرشي والعلم والكفاية والشجاعة والاجتهاد والتغلب أو الاستخلاف. ولا تشترط العدالة، والفاسق يُوَلَّى على الكراهة.
أما إمام الحرمين [5] ، فيقسم الشروط إلى أربعة أصناف:
ـ ما تعلق منها بالحواس، وهي السمع والبصر والنطق.
ـ وما تعلق بالأعضاء، أي عدم فقدان ما يؤثر عدمه في الانتهاض إلى المآرب والأغراض.
ـ وما تعلق بالصفات اللازمة وهي النسب والذكورة والحرية والعقل والبلوغ والشجاعة والشهامة والرأي.
ـ وما تعلق بالصفات المكتسبة، وهي العلم والتقوى والورع، وتوقد الرأي في عظائم الأمور والنظر في مغبات العواقب، وهي ثمرة العقل والتجربة والممارسة.
ثم يوجز هذه الشروط كلها في أن الإمام الصالح هو الرجل الحر القرشي المجتهد الورع ذو التجربة والكفاية. ثم يرد هذه الصفات كلها في النهاية إلى شرطين هما: الاستقلال والنسب. ويدخل تحت الاستقلال الكفاية والعلم والورع والحرية والذكورة.
هذا مجمل ما ورد لدى الفقهاء والمتكلمين من شروط ينبغي توفرها في الخليفة. ولئن اختلفت أهميتها لدى كل منهم تقديما وتأخيرا؛ فإننا نجد النسب القرشي قد حاز إجماعهم، لاستناده إلى حديث صحيح أخذ به مالك والشافعي وابن حنبل وأبو حنيفة في رواية لزرقان عنه، هو (الأئمة من قريش) ؛ وإلى كون الخلفاء الراشدين وملوك بني أمية وبني العباس كلهم من هذا النسب نفسه.
إلا أنهم أقروا كذلك إمامة الغصب والاستيلاء والمتغلب غير القرشي للضرورة واتقاء للفتنة. وهو ما نص عليه التفتازاني في"تقريب المرام" [6] ، والكمال ابن أبي شريف في"المسامرة على المسايرة" [7] ، والإمام النووي في"روضة الطالبين وعمدة المفتين" [8] ، ونجم الدين الطرسوسي في"تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك" [9] .
إن حديث (الأئمة من قريش) صحيح رواه الطبراني في الدعاء، والبيهقي في السنن والنسائي في الإمارة، ورُوي معناه عن نحو أربعين صحابيا. كما أخرج البخاري في صحيحه ـ كتاب الأحكام ـ عن الزهري قال: (كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث، أنه بلغ معاوية وهو عنده في وفد من قريش، أن عبد الله
(1) - المواقف في علم الكلام للإيجي ص 398
(2) - شرح العقيدة النسفية ص 243
(3) - مقدمة ابن خلدون ص 193
(4) - حاشية رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين المجلد 1 ص 548
(5) - غياث الأمم للجويني ص 46 وما بعدها
(6) - الصفحة 323
(7) - الصفحة 290
(8) - ج 10 ص 42
(9) - الصفحة 115