أما إمام الحرمين فيعرف الخلافة بأنها [1] :"رئاسة تامة وزعامة عامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا، متضمنها حفظ الحوزة ـ أي البلاد ـ، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، وكف الجنف (أي الانحراف والميل) والحيف (أي الظلم والجور) ، والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين، وإيفاؤها على المستحقين".
هذا أهم ما عرف به الفقهاء والمتكلمون الخلافة؛ وإنك لواجد غيره لدى كل من تصدى لهذا الموضوع بالبحث والدرس، وإن لم يخرجوا جميعا عن مضمون ما تقدم؛ لذلك لا فائدة من الاستقصاء، ويكفي ما أوردنا لمعرفة خصائص الخلافة وسماتها ومميزاتها في نظرهم، مما نوجزه فيما يلي:
1 -أن الخلافة رئاسة قاهرة تسلطية، وإن اختلف التعبير عن ذلك من فقيه أو متكلم إلى غيره. فهي عند الماوردي"تفويض إلى سلطان ... ليكون بالطاعة قاهرا"ولدى الغزالي"داء الأمة لا علاج له إلا بسلطان قاهر مطاع". ولدى الرازي"لا بد للأمة من رئيس قاهر ضابط". وعند ابن عابدين"استحقاق تصرف عام على الأنام". وعند الجويني والتفتازاني"رئاسة تامة".
2 -أن الخلافة تصرف عام في أمر الأمة الديني والدنيوي واحتكار له؛ لأنها خلافة عن النبوة في أمر الدين والدنيا كما لدى الماوردي والتفتازاني والإيجي، ولأنها في نظر ابن خلدون حمل الكافة على مقتضى الشرع في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، ولأن الخليفة عند أبي يوسف نائب عن الله تعالى، وعند الجاحظ في الرتبة الثالثة مباشرة بعد الرسول والنبي، ومتضمن الخلافة عند الجويني مهمات الدين والدنيا، وعند الغزالي لا بد للناس من إمام يعرفهم جميع مصالحهم والسلطان ضروري في نظام الدنيا ونظام الدين.
(1) - غياث الأمم في التياث الظلم لإمام الحرمين ص 15