وقال في شرح هذا المعنى:"ومعلوم أن الاستنباط إنما هو استنباطُ المعاني والعللِ، ونسبةُ بعضِها إلى بعضٍ، فيَعْتَبِر ما يَصِحُّ منها بصحةِ مثله، ومشبهه، ونظيره، ويلغي ما لا يصح، هذا الذي يعقلُه الناسُ من الاستنباط، قال الجوهري [1] (ت: 393 هـ) : (الاستنباط كالاستخراج) [2] ومعلوم أن ذلك قدرٌ زائدٌ على مجرد فَهْمِ اللفظ، فإن ذلك ليس طريقه الاستنباط؛ إذ موضوعاتُ الألفاظ؛ لا تُنَال بالاستنباط، وإنما تنال به العللُ، والمعاني، والأشباهُ والنظائرُ، ومقاصدُ المتكلم، والله ـ سبحانه ـ ذَمَّ مَنْ سَمِعَ ظاهرًا مجردًا؛ فأذاعه وأفشاه، وحَمِدَ مَنْ استنبط مِنْ أولي العلم حقيقتَه ومعناه ... ومن هذا قول علي بن أبي طالب (ت: 40 هـ) [3] - رضي الله عنه - وقد سُئل: هل خصَّكم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بشيءٍ دون الناس؟ قال: (لا والذي فَلَقَ الحبَّة وبَرَأَ النّسمة، إلا فَهْمًَا يؤتيه الله عَبْدًا في كتابه) [4] . ومعلومٌ أنَّ"
(1) إمام اللغة إسماعيل بن حماد التركي أبو نصر الفارابي، مصنف كتاب الصحاح، وأحد من يضرب به المثل في ضبط اللغة وفي الخط المنسوب له نظم حسن ومقدمة في النحو قال جمال الدين علي بن يوسف القفطي مات الجوهري مترديًا من سطح داره بنيسابور في سنة ثلاث وتسعين وثلاث مئة ثم قال: وقيل مات في حدود سنة أربع مئة رحمه الله. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء للذهبي: (17/ 80) ، الوافي بالوفيات للصفدي: (9/ 69) ، البلغة للفيروز آبادي: (66) .
(2) انظر: الصحاح للجوهري: (3/ 1162) .
(3) الخليفة الراشد علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي أبو الحسن أول الناس إسلامًا في قول كثير من أهل العلم ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح فربى في حجر النبي ولم يفارقه وشهد معه المشاهد إلا غزوة تبوك فإن رسول الله خلفه في أهله وزوجه ابنته فاطمة، وكان إمامًا في التفسير، قُتِلَ رضي الله عنه في ليلة السابع عشر من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة ومدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر ونصف شهر. انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي: (1/ 13) ، صفة الصفوة لابن الجوزي: (1/ 308) ، والإصابة في تمييز الصحابة: (5/ 564) ، أسد الغابة: (4/ 87) .
(4) رواه البخاري في صحيحه (مع الفتح) في الديات: باب العاقلة: (12/ 256) برقم (6903) وفيه: باب لا يقتل المسلم بالكافر (12/ 272) برقم (6915) عن أبي جحيفة رضي الله عنه بألفاظ مقاربة.