كما أن من سبب الخطأ هنا نبذَ النقل واعتمادَ الرأي المجرد، ولذا قال الشاطبي (ت:790 هـ) بعد ذكر هذا المثال بقليل:"وهؤلاء من أهل الكلام هم النابذون للمنقولات اتباعًا للرأي، وقد أدَّاهم ذلك إلى تحريف كلام الله بما لا يشهد للفظه عربيٌّ، ولا لمعناه برهانٌ كما رأيت" [1] .
المثال الثالث:
استدل المعتزلة بأدلة الوعيد على خلود العاصي في النار يوم القيامة.
ووجه استدلالهم: أن هذه الأدلة وعدٌ من الله، والله لا يخلف وعده.
قال ابن خالويه [2] (ت: 370 هـ) :"كان عمرو بن عبيد (ت: 144 هـ) [3] يؤتى من قلة المعرفة بكلام العرب ... وقد كان كلَّم أبا عمرو بن العلاء (ت: 154 هـ) [4] في الوعد والوعيد، فلم يفرِّق بينهما، حتى فَهَّمَه أبو عمرو وقال: ويحك. إن الرجل العربي إذا وعد أن يُسيء إلى رجل ثم لم يفعلْ؛ يقال: عفا وتكرَّم، ولا يقال: كذب. وأنشد [5] :"
(1) الموافقات: (3/ 294 ـ 295) .
(2) هو الحسين بن أحمد بن خالَوَيْه، أبو عبد الله، لغويٌّ من كبار النحاة، أصله من همذان، أحله بنو حمدان منزلة رفيعة، وكانت له مع المتنبي مجالس ومباحث عند سيف الدولة، وعهد إليه سيف الدولة بتأديب أولاده، له كتب منها: مختصر في شواذ القرآن، وإعراب ثلاثين سورة من القرآن العزيز، وليس في كلام العرب، توفي في حلب سنة 370 هـ. انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان: (2/ 178) ، ولسان الميزان: (2/ 267) ، الأعلام للزركلي: (2/ 231) .
(3) هو عمرو بن عبيد بن باب التيمي بالولاء، أبو عثمان البصري، شيخ المعتزلة في عصره ومفتيها، وأحد الزهاد المشهورين، كان جده من سبي فارس، اشتهر عمرو بعلمه وزهده، توفي بمران بقرب مكة سنة 144 هـ ورثاه المنصور ولم يسمع بخليفة رثى من دونه سواه. انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان: (3/ 460) ، والبداية والنهاية: (10/ 78) ، ومعجم المفسرين لنويهض: (404) .
(4) هو زَبَّان بن عمار التميمي المازني البصري، أبو عمرو، ويُلقب أبوه بالعلاء وفي اسمه واسم أبيه خلاف، من أئمة اللغة والأدب، وأحد القرَّاء السبعة ولد بمكة ونشأ بالبصرة ومات بالكوفة سنة 154 هـ. انظر: فوات الوفيات: (1/ 414) ، شذرات الذهب: (1/ 237) ، والأعلام للزركلي: (3/ 41) .
(5) انظر البيت في جمهرة اللغة لابن دريد: (2/ 668) .