الحنفي قال: سألت ابن عباس عن قوله:"والسارق والسارقة"، أخاصّ أم عام؟ فقال: بل عام." [1] وقال ابن تيمية: قد يجيء كثيرًا من هذا الباب قولهم هذه الآية نزلت في كذا، لا سيما إن كان المذكور شخصًا كقولهم: إن آية الظهار نزلت في امرأة ثابت بن قيس، وإن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله، وإن قوله (وأن احكم بينهم) نزلت في بني قريظة والنضير، ونظائر ذلك مما يذكرون أنه نزل في قوم من المشركين بمكة أوفي قوم من اليهود والنصارى أوفي قوم من المؤمنين، فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية يختص بأولئك الأعيان دون غيرهم، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق"
3 -اذا نزلت الأية في معين ولا عموم للفظها فإنها تقصر عليه قطعًا كقوله تعالى"وسيجنبها الأتقى الذي يؤتى ما له يتزكى" [2] فإنها نزلت في أبي بكر الصديق بالإجماع ووهم من ظن أن الآية عامة في كل من عمل عمله إجراء له على القاعدة، وهذا غلط، فإن هذه الآية ليس فيها صيغة عموم، إذ الألف واللام إنما تفيد العموم إذا كانت موصولة أومعرفة في جمع، زاد قوم: أومفرد بشرط أن لا يكون هناك عهد، واللام في الأتقى ليست موصولة لأنها لا توصل بأفعل التفضيل إجماعًا، فبطل القول بالعموم وتعين القطع بالخصوص والقصر على من نزلت فيه رضي الله عنه.
4 -وقد تنزل الآيات على الأسباب الخاصة وتوضع مع ما يناسبها من الآي العامة رعاية لنظم القرآن وحسن السياق، فيكون ذلك الخاص قريبًا من صورة السبب في كونه قطعي الدخول في العام مثاله: قوله تعالى ("ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت" [3] إلى آخره، فإنها إشارة إلى كعب بن الأشرف ونحوه من علماء اليهود لما قدموا مكة وشاهدوا قتلى بدر حرضوا المشركين على الأخذ بثأرهم ومحاربة النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوهم من أهدى سبيلًا محمد وأصحابه أم نحن؟ فقالوا: أنتم، مع علمهم بما في كتابهم من نعت النبي صلى الله عليه وسلم المنطبق عليه وأخذ المواثيق عليهم أن لا يكتموه فكان ذلك أمانة لازمة لهم ولم يؤدوها حيث قالوا للكفار(أنتم أهدى سبيلًا) حسدًا للنبي صلى الله عليه وسلم، فقد تضمنت هذه الآية مع هذا القول المتوعد عليه المفيد للأمر بمقابلة المشتمل على أداء الأمانة التي هي ببيان صفة النبي صلى الله عليه وسلم بإفادة أنه الموصوف في كتابهم، وذلك مناسب لقوله (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) " [4] فهذا عام في كل أمانة، وذاك خاص بأمانة هي صفة النبي صلى الله عليه وسلم بالطريق السابق، والعام تال للخاص في الرسم متراخ عنه في"
(1) 4 - تفسير الطبري - (ج 10 / ص 296)
5 -الليل - الأية 17 - 18
(3) - النساء -الاية 51
(4) - النساء الأية 58