الصفحة 17 من 87

ثانيا: أن في تعلم مسائل القضاء والقدر وتعليمها من مصادر الدين الأصلية - كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - حفظا للأمة من الانحراف في عقيدتها؛ فإن أعظم أسباب الانحراف في العقيدة وفي غيرها هو التفريط في تلقي العلم من تلك المصادر المعصومة.

يقول ابن القيم (ت 751 هـ) :"أما بعد: فإن القدر بحر محيط لا ساحل له، ولا خروج عنه لأحد من العالمين، وقد سلك الناس في هذا الباب في كل واد، وأخذوا في كل طريق، وتولجوا في كل مضيق، وركبوا كل صعب وذلول، وقصدوا الوصول إلى معرفته من كل سبيل، وتكلمت فيه الأئمة قديما وحديثا، وساروا فيه بطيئا وقاصدا وحثيثا، وخاضت فيه الفرق على تباينها واختلافها، وصنفت فيه الطوائف على تنوع أصنافها، وكل قد اختار لنفسه مذهبا لا يعتقد الصواب في سواه، ولا يرتضي إلا إياه، وكلهم - إلا من اهتدى بالوحي - عن طريق الصواب مصدود، وباب الهدى في وجهه مسدود، قد قمّش [1] علمًا غير طائل، وارتوى من ماء آجن؛ قد طاف على أبواب المذاهب، ففاز بأخس الآراء والمطالب، فرح بما عنده من العلم الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، وقدَّم آراء من أحسن به الظن على"

(1) القمش جمع القماش، وهو ما كان على وجه الأرض من فتات الأشياء، حتى يقال لرذالة الناس قماش، انظر: لسان العرب 3/ 162.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت