من المخ أو الدماغ والوصف الكيميائي أو الفيزيائي أو الكهربي لما يجري فيه استجابة لبعض الأشياء!! إنها (انفعال) خاص يعرفه كل أحد: حتى ولو لم يجد العبارات المناسبة لوصفه!! أنت يمكنك قياس تسارع دقات قلب المُحب إذا رأى محبوبه، لكنك أبدًا لن تعطينا (شعورًا ووعيًا ذاتيًا) بما يحس به الآن بالفعل!! فالأوصاف المادية هي ظاهر (مادي) لانفعالات ذاتية الوعي لا قياس لها بأدوات العلم التجريبي!!
هذا الكلام على بساطته التي يعرفها كل إنسان من داخله، إلا أنه يمثل أحد جوانب أو مقدمات واحدة من أشهر مشاكل الماديين ألا وهي: (مشكلة الوعي الصعبة) ، وسوف نتحدث عنها بعد قليل بإذن الله، إلا أننا سنعرض الآن مثالًا هامًا للتقريب، والمثال اسمه (حُجة ماري) ، وقد قدمه فرانك جاكسون عام 1986 م في مجلة الفلسفة، المجلد 83، رقم 5، صفحة 291 - 295 وفيه:
أن العلماء وضعوا ماري في غرفة من لونين فقط طيلة حياتها وهما الأبيض والأسود، بحيث لا تكتسب أية معلومات عن العالم إلا من خلال تلفزيونات وكمبيوترات لا تعرض أيضًا الأشياء إلا بالأبيض والأسود، وهي من خلال هذه التلفزيونات والكمبيوترات تستطيع الحصول على أية معلومات (نظرية) وليست (عملية) عن وصف ما يشعر به الإنسان عند رؤية الأشياء والطبيعة والألوان، وكل ذلك يترجم لها محصلة (العلم التجريبي) التوصيفي للأِشياء، والسؤال:
تم فتح باب الغرفة لماري لأول مرة في حياتها: ورأت بعينها (عمليًا) زهرة حمراء!! فهل يشك أي أحد في أن هناك (وعيًا ذاتيًا) و (شعورًا خاصًا) ينتابها الآن مع رؤية اللون الأحمر: لم يوجد في توصيف العلم التجريبي الذي لطالما قرأته واطلعت عليه: بحيث يظهر معه قصوره وعدم استطاعته توصيل هذا الوعي الذاتي لديها باللون الأحمر الآن؟ بل: وقد يختلف وعيها به عن وعي شخص آخر حسب ما ستمثله له رؤية ذلك اللون؟
هذه الحُجة الفلسفية أو الفكرية (حُجة ماري) توضح لنا أحد جوانب قصور المنهج التجريبي أو العلم التجريبي وأنه عاجز أمام بعض الأِشياء الهامة في حياتنا بل واللصيقة بوجودنا وبـ (الأنا) الخاصة بكل منا، ثم بعد ذلك يأتي الملحد أو المادي ليقول أن العلم التجريبي هو السبيل والطريق الوحيد لمعرفة أي شيء وكل شيء في الوجود والعالم!!