الصفحة 37 من 49

اللفظة القرآنية"ترى"دون غيرها مثل نظر أو بصر. وبهذا تصبح عملية الإبصار عملية عقلية محضة تتضافر فيها مختلف الوسائل الإدراكية لبلوغ المعنى المراد الذي قد يكون فاصلًا بين الإيمان والكفر في آنٍ واحد.

ولا تقتصر عملية الإبصار في القرآن الكريم على الآيات المقروءة، بل تتجاوزه لتؤكِّد دورها في إبصار الآيات المشهودة في الكون، فالمرء يكون أمام كتابين يقتضيان إبصار حقائقهما معًا وتلاوتهما في وقت واحد: الكون المنظور والقرآن المقروء.

يقول ابن قيم الجوزية ـ رحمه الله تعالى ـ في ذلك:"الرب تعالى يدعو عباده في القرآن إلى معرفته من طريقين: أحدهما النظر في مفعولاته، والثاني التفكُّر في آياته وتدبُّرها، فتلك آياته المشهودة، وهذه آياته المسموعة المعقولة" [1] .

من هنا جاء التأكيد في القرآن الكريم على أهمية النظر في الخلق والكون وسير الأمم السابقة، بمعنى التأمُّل والتفحُّص فيها والتمعُّن وإدراك حقيقتها، لا بالعين المجردة فحسب بل بالقلب فهمًا، وتعقُّلًا، وتدبُّرًا.

وكما أنَّ القرآن أكَّد على أهمية الربط بين حاسة السمع والقلب والعقل، أكَّد كذلك على الربط بين العين والقلب والعقل، بل إنَّ النصوص القرآنية أدلت بحقيقة أخرى، وهي أنَّ العمى الحقيقي والعجز عن الإبصار لا يتمثل أو يكمن في عمى العين الجارحة على سبيل الحقيقة، بل هو عمى القلب

(1) ابن قيم: الفوائد، 1/ 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت