فالقارئ المتدبر لا بُدَّ أنْ يكتشف وراء هذا التنويع اللفظي مقاصد خاصة. ومن ذلك أنَّ عملية الإبصار مركبة من شقين متكاملين، هما: الشق النظري وتقوم به العين، ثم شق الرؤية ويقوم به مركز عصبي خاص في قشرة المخ، وهو متصل بشبكية العين عن طريق العصب البصري، وبقيام هذا المركز بإدراك ما يرد إليه من الشبكية تتم عملية الإبصار.
فالرؤية هي الخطوة التالية للنظر، وهي التي تتم بها عملية الإبصار، فهي الخطوة الحاسمة التي يراد الإبصار لأجلها. ونظرًا لأهميتها فإنَّ القرآن الكريم كثيرًا ما يعطي لفظ"رأى"ومشتقاته الأولوية في التعبير عن عملية الإبصار كلها، خصوصًا إذا كان الهدف الرئيسي منها هو التدبُّر والاعتبار.
والقرآن الكريم في سياق حديثه عن تفعيل وسيلة الإبصار وأهميتها، وضع أسسًا وأطوارًا مختلفة للإدراك البصري الصحيح، تلك الأسس التي لم يكشف العلم الحديث النقاب عنها إلاَّ مؤخرًا عند أصحاب نظرية الجشتالت [1] .
فالإدراك الحسي بوساطة البصر لا بُدَّ أنْ يبدأ بنظرة كلية إجمالية، ومن ثم يبدأ بتحليل الموقف وإدراك العناصر المكونة له والعلاقات القائمة بين أجزائه المختلفة ثم إعادة تأليف تلك الأجزاء في كل موقف والعودة إلى النظرة الكلية مرة ثانية.
(1) بركات"وآخرون": مرجع سابق، ص 149.