فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 181

لم تزل أمنية كل مصلح قيضه الله للبشر لأن يهدي الناس إلى تكوين ما يسمى في عُرْف الحكماء بالمدينة الفاضلة، وهم إن اختلفت عندهم الأسماء لاختلاف أساليب التعبير في اللغات لا نجد بينهم اختلافًا في أن مسمى الذي يدعون إليه هو مسمى ما عناه الحكماء المدينة الفاضلة: مجتمع من الناس هو على أكمل حال يكون عليها المجتمع البشري في الرأي والعمل؛ ذلك أن الإنسان مدنيُّ بالطبع كما هو مشهور على الألسنة، وقد علل كثير من الحكماء كون الإنسان مدنيًا بالطبع.

وأنا أختصره وأزيد بيانًا: فمعنى كونه مدنيًَّا بالطبع أنه بطبع خلقته مجعول لأن يكون مدنيًا، لأنه خلق بحيث لا يستقل وحده بأمر نفسه، بل هو محتاج إلى مشاركة غيره من بني جنسه؛ لظهور كثرة حاجاته الناشئة عن ضعفه الجبلي وتفكيره؛ فالضعف الجبلي جعله محتاجًا إلى مكملات يصير بها قويًَّا على مصادمة الكوارث والمهالك، والتفكير جعله متطلعًا إلى أن يعيش كما يحب لا كما يلقى، وذلك بالمُقام في حيث يريد دون انزواء أمام الحوادث المغتالة، وبتحصيل ما لا يستطيع نواله مع فرط رغبته؛ فزاد بالتفكير ضعفه جلاء لأنه يطمح به إلى تمنيات وفروض لا يستطيع تحصيلها لعجزه، على حد قول أبي الطيب:

وإذا كانت النفوس كبارًا ... تعبت في مرادها الأجسام

فاحتاج أفراد البشر إلى معونة بعضهم بعضًا؛ لتصل لهم من تفكيرهم وسعيهم قوةُ التعاضد والتوازر، فيبذل كلَّما يستطيع بذله من كده أو من كسبه، عسى أن يحصل من مجموع سعيهم تحصيل معظم أماني الجميع، وبذلك التفكير والتعاضد امتاز البشر عن أصناف الحيوان.

لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت